نايف ذوابه 18/5/1425
"الصّنم"اسم كتاب قرأته قبل حوالي ثلاثة عقود ألفه جنرال تركي عن الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك الضابط المُتحدّر من سلانيك موطن يهود الدونما الذين هربوا من جحيم محاكم التّفتيش الإسبانيّة في الأندلس مستجيرين بالخليفة العثمانيّّ الذي منحهم الأمان . وأتاتورك من ضباط جماعة"الاتحاد والترقي"التي هيمنت على الجيش وعلى الحكم في الدولة العثمانية ( الرجل المريض ) التي كانت أوروبا تتربّص بها لاقتسام تركتها؛ حتى لفظت أنفاسها الأخيرة في نهاية الحرب العالمية الأولى، وقد ائتمر بها الحلفاء
وخانها الإخوة الأقرباء، وسدّد لها الضربة القاضية ابنها العاقّ"مصطفى كمال أتاتورك"الذي أخذ على نفسه عهدًا بقطع كل صلة لتركيا بتاريخها العريق بالإسلام الذي ارتبط بالسّلاجقة وحربهم للصّليبيين ثم الأتابكة: عماد الدين زنكي ، ونور الدين زنكي الذي ترّبى في رعايته صلاح الدين الأيوبي بطل حِطّين ، ومحمد الفاتح الذي فتح الله على يديه القسطنطينيّة عاصمة الإمبراطوريّة الرومانيّة الشرقيّة فتحقق على يديه وعد الله للمؤمنين بفتح إحدى المدينتين: ألقسطنطينيّّّّة وروما وقد جاء ذلك في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم
وبزوال الدولة العثمانيّة لم يعد للمسلمين ممثل في الموقف الدّولي ، ولم يعد لهم أثر في العلاقات الدوليّة ، ولم يعد يحسب لهم حساب ؛ فأصبحوا كالأيتام على مآدب اللئام ، وأصبحوا مضرب المثل في الهوان بين الأمم حتى استنسر عليهم بُغاث الطّير ، وعلت في أوطانهم لليهود راية !!
و قبل أيّام بثت"قناة العربية"برنامجا بعنوان"الصّّنم"عن"صدّام حسين"يبدو أنّ معدّ البرنامج قد أخذه من عنوان الكتاب ؛ لقوّة وإيحائيّة اللقب في الدِلالة على المعنى الذي ذهب إليه معدّ البرنامج فتذكّرت أبيات عمر أبي ريشة:
أمتي ، كم صنمٍ مجّدته … …
لم يكُ يحمل طُُُهر الصّنم!!
لا يُلام الذئب في عدوانهِ … …
إنْ يكُ الرّاعي عدوّ الغنمِ
ثم بيته المدوّي:
أوَََََ ما كنتِ إذا البغي اعتدى … …
موجةًً مِنْ لهبٍ أو من دمِ ؟!
لقد خاب ظنّ عمر أبي ريشة في أمّته التي اعتلى صهوتها رجال لا صلة لهم بالفروسية أو بأخلاق الفرسان، ناهيك عن أخلاق الإسلام .
ومما تحمله الذاكرة قبل خمس عشر سنة أو يزيد مقابلة أجرتها صحافيّة إيطاليّة مع الصّنم"صدام حسين"فسألت الصحفيّة"صدّام": من هو صدّام ؟ فقال: إنّ"صدّام"موجود في كوب الحليب الذي يشربه العراقيّ ، في المِعطف الذي يرتديه ، في رغيف الخبز الذي يأكله ، صدّام موجود في حياة كل عراقيّ !!
وقد عرضت"العربيّة"مشهدًا لكاتب عراقيّ يقول بأسًًى بالغ:
"على الأقل صمتنا كان له عبادة"وفي مشهد آخر قال له أحد المنافقين الصّنميّين:"خطؤك خيرٌ من صوابك"!! وهكذا أصبح"صدّام"إلهًا ، لا تفاوت في أفعاله، فكلها سواء!!
ومن المشاهد التي عرضها البرنامج مشهد لصدّام وهو يهدّد ويتوعّّد بأنّه يستطيع أن يقتل عشرة آلاف ولا تهتزّّ له شعرة في جسمه !!
أما ثالثة الأثافي فهي المشهد الذي عرضه البرنامج وكان يتحدث فيه أحد المسؤولين عن ضرورة منح"البعثيّ"حصانة، فانعقدت الدهشة على وجه"صدّام"وتأهّب لتأنيب المتحدّث على كلامه، وقال بعد أنْ تمخَّض:"إيش البعثي يحتاج حصانة"!!
"كلّ بعثي في حصانة عمر بن الخطاب"!!
وهكذا استوت عند أعمى البصيرة:الأنوار والظلم ، العمالقة والأقزام ، المكارم والمخازي ، والرّجال و أشباه الرّجال، أجلّلكم الله .
وأنا أؤكد أنّ"صدّام"جاهل يهرف بما لا يعرف؛ فصدّام خبرته ليست بالثقافة ولا بالسياسة فقد أثبتت الأيام ذلك ولسان الحال أفصح من مقال ؛ وإنّما خبرته بالغدر والخيانة والوقيعة والتي ساق فيها جيوشًا من البعثيين الذين ناوؤوه أو فكّروا ، فقادهم إلى المذبح كالخرفان(أعضاء لجنة القيادة في حزب البعث كانوا عام 1968م 25عضوا لم يبق منهم عام 1998م إلا صدّام وحده !!
وقد أكدّت السيدة"رغد صدام حسين"أنّ عائلتها تقتلها العداوات الخانقة ، ولا تحسن غير الجهل والجهالة وفن الكراهية والحسد ؛ لذلك فهم يحقدون على كل ذي علم أو شرف أو كفاءة من باب عُُُقدة الجهل، وسوء المحتِد، ووضاعة التاريخ الذي خرج منه هؤلاء !
وفي لقاء مبكر لطارق عزيز مع"حازم جواد"مهندس أول انقلاب بعثيّّ قال
طارق عزيز لحازم: يا حازم ، أنا أعمل مع عِصابة !! هذا ما قاله طارق عزيز في مرحلة مبكرة بعد ما لا يزيد عن أربع أو خمس سنين من حكم البعث تموز 1968 فماذا كان يمكن أن يقول طارق عزيز بعد ثلاثين سنة من الخبرة في العمل مع العِِِصابة بعد أن تغوّل صدّام، وضرب الشرّّّ بجِِرانه في عراق الرشيد ، وبعد أن نُصِب لصدّام في كل حيّ صنم !!
آخر الأخبار أنّ صدّام ذكر في الرّسالة التي أرسلها لابنته"رغد"عن طريق الصّليب الأحمر"أنّ معنوياته مرتفعة"وإنْْ سألتموني لماذا؟ فأنا لا أعرف ؛ فصدّام (الذي يرتع في بحبوحة الذلّ) هو الذي يعرف .