سلمان بن فهد العودة 17/1/1426
"وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ*وَطُورِ سِينِينَ*وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ*لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ*ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ*إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ*فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ*أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ" [التين:1-8] .
أقسم الله سبحانه وتعالى بثلاثة أقسام:
1-التين والزيتون.
2-طور سنين.
3-البلد الأمين.
وإذا أخذنا بالتفسير القائل أن المقصود بقول الله سبحانه وتعالى:"وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ"منابتها في الشام وفلسطين، وقول الله سبحانه وتعالى:"وَطُورِ سِينِينَ": أنه طور سيناء.
فمعنى ذلك: أن هذا القسم يجمع نبوءات الأنبياء الكرام كلهم، عليهم الصلاة والسلام ويؤكد أن دعوتهم واحدة ودينهم واحد، وهذا يعطي قدراً كبيراً من الأهمية، لبلاد العالم الإسلامي كلها، فالرقعة الإسلامية كلها رقعة اختارها الله سبحانه وتعالى واجتباها واصطفاها وميزها.
ونحن حينما نتكلم عن خصوصية هذا البلد المبارك لا يعني أننا نمارس نوعاً من الإقصاء لبلاد أخرى، فضلّها الله سبحانه وتعالى وكرمها.
ولذلك فالعالم الإسلامي كله مجموعة تتكامل فيما بينها.
والعالم -اليوم- يشهد ما يسمى بـ: صناعة الأحلاف السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، حتى الشركات الكبرى التي تحسب رؤوس أموالها بالمليارات من الدولارات، تسعى إلى مزيد من التحالفات، حتى تأخذ حصة أكبر من السوق العالمية، خصوصاً في عصر العولمة.
إذاً هذا معنى واضح وجلي وجميل في القرآن.
وفي السياق نفسه ذكر الله تعالى البلد الأمين.
والمفسرون وإن اختلفوا حول التين والزيتون وطور سنين فإنا لا نجد اختلافا حول البلد الأمين؛ لأن الله سبحانه وتعالى سماه باسمه معرفاً بـ (ال) البلد وهذا ينطلق إلى مكة بمجرد سماعه، حتى لو لم يكن معه شيء آخر.
ثم أشار إليه، فقال:"وَهَذَا الْبَلَدِ"يؤكد أن الحديث عن معهود مرئي مشاهد بالعيان، ثم عرفه ثالثاً بهذا الوصف الجميل الدائم:"الْأَمِينِ".
ولهذا لم يختلف المفسرون في تعريف البلد الأمين ما هو؟
بل لم يختلف المفسرون، حينما أقسم الله سبحانه وتعالى بقوله:"لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ" [البلد:1-2] أن المقصود به مكة المكرمة.
بل لم يختلفوا عندما قال سبحانه وتعالى"رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ" [النمل:91] أن المقصود بها مكة.
ولذ لما قال صلى الله عليه وسلم يوم النحر:أي بلد هذا؟ أليس البلدة؟ قال الناس كلهم: بلى يا رسول الله.
ففي هذا إشارة إلى:
أولاً:أن دين الإسلام له وضوح وقوة ونصاعة لا توجد في الأديان السابقة كلها وكيف لا، وقد اختاره الله سبحانه وتعالى ليكون خاتمة الرسالات.
ثانياً:أن موطن هذا الدين الأصلي ومنطلقه ومهبط الوحي وموئل الرسالة له من الخصوصية والتمييز والفضيلة ما ليس لغيره.
وفي الآيات أن الله سبحانه وتعالى جعل مناط التكريم هو الإنسان؛ فإِنَّ الأَرْضَ لاَ تُقَدِّسُ أَحَدًا وَإِنَّمَا يُقَدِّسُ الإِنْسَانَ عَمَلُهُ. كما قال سلمان الفارسي رضي الله عنه.
فقداسة هذه الأرض بقداسة إنسانها الذي جعل الله له تكريماً ومزية، كما قال سبحانه وتعالى:"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ" [الإسراء:70] .
ثم هناك الكرامة الخاصة للمسلم الذي حفظ الله تعالى دمه وماله وعرضه حتى كان صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع في خطبته الشهيرة: (إِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟) . قالوا: نَعَمْ . قَالَ: (اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلِّغٍ يُبَلِّغُهُ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ فَكَانَ كَذَلِكَ - قَالَ - لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ) .رواه البخاري ومسلم.
وهذا واضح في قوله سبحانه وتعالى -هنا-:"لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ"وقوله:"إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ".
فهذا بلد الإيمان البلد الأمين، بلد الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
وهذه دعوة إبراهيم عليه السلام، حينما يقول:"رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ" [البقرة:126] .
في هذه الدعوة ثلاثة معان:
1-أن يجعل الله سبحانه وتعالى هذا البلد آمناً وإبراهيم نبي من أولي العزم لكن هل كان يدري مدى ما تصل إليه دعوته العظيمة هذه، أن يجعل الله تعالى هذه المهامه التي يخاف فيها الذئب، وكان الناس فيها يقتل بعضهم بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً ولم يكن فيها حضارة ولا مدنية ولا تواصل ولا بناء.