فهرس الكتاب

الصفحة 2225 من 27364

في علم الاستغراب: قراءة في كتاب(مقدمات الاستتباع)(2/2)

د. بدران بن الحسن 14/8/1426

في الحلقة الأولى من هذا المقال تناولنا أهم المحاور التي ركّز عليها كتاب (مقدمات الاستتباع) من خلال التصدير والمقدمة، وفي هذه الحلقة نتناول أهم النقاط الواردة في بقية الفصول.

ففي الفصل الأول من الكتاب تناول الكاتب مظاهر نشوء النظام الغربي مركزاً على كيفية اشتغال القوانين الجديدة التي تحكمت في الحملات التبشيرية والمهام التي كُلّفت بها لغزو ما سُمّيَ بالشرق وتشويه صورته، ثم أبرز كيف انخرطت الدول الغربية، لحل مسائلها السياسية الداخلية، في الحملات التوسّعيّة ما قبل الاستعمارية فيما وراء البحار، ثم كيف أسهمت في إضعاف الإمبراطورية العثمانية -التي كانت تشكل تحدّياً سافراً للغرب آنذاك- وترسيخ الانشقاقات الطائفية والعرقية والقبلية والإقليمية بين الجماعات المتعايشة في ظلها.

وفي خمس نقاط يتناول النشوء والنماء الذي سار عليه النظام الغربي؛

ففي النقطة الأولى يتناول عملية التداخل بين السلطة الدينية للكنيسة مع الغزوات التجارية (المركنتيلية) ؛ إذ ستتبلور (أيديولوجيا) تجعل من الربح قاعدة لـ"التقدم"، ومن المبادلة الحرة أداة أكثر فعّالية وضمانة لـ"الحضارة"، وذلك حين تحوّلت التجارة عند التجار وأصحاب المصارف إلى"فضيلة"، والمال إلى"صنم"بوصفهما شرطين أساسيين لضمان"النجاح"في الحياة العملية. (ص 28) .

وفي مسار تشريع اللاهوت للناسوت"المركنتيلي"اضطرت كل الكنائس أن تتكيّف مع التنمية الخارجية للروح التجارية أو التشجيع لها، ثم الأخذ بالعقلية الصناعية... لقد أوجدت الرأسمالية روحها الخاصة، ووضعت الكنائس أمام ضرورة الاندماج بالقانون الطبيعي (للدولة-الأمة) (ص35-36) .

وفي النقطتين الثانية والثالثة: تناول الصراع الذي حدث بين الكنائس على الشرق ودخول البروتستانت (p r otestant) حلبة المنافسة لما كان للمراسلين الكاثوليك من نشاط مكثف، وفي خِضَمّ هذا الصراع كان نشر"الإيمان المسيحي"يجري من خلال ثلاث قنوات: الصحافة والإرساليات ثم الطباعة لكونها وسيلة فعّالة لنشر الأفكار. (ص45) .

أما النقطة الرابعة فيتناول فيها اشتداد الهيمنة الأوروبية على الشرق الأوسط في مختلف المجالات في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، بخاصة في عهد محمد علي باشا إثر الشروع في"التنظيمات"الإصلاحية عام 1839م.

وقد قدم المؤلف في هذا السياق حشداً من المعلومات عن الإرساليات الغربية وعن أنشطتها المتشعبة والفعالة بين أهل الشرق، مبيناً ارتباطاتها المباشرة بإستراتيجيات الدول الغربية.

وأما في النقطة الخامسة فقد تطرق الباحث إلى النتائج الضارة التي سبّبتها الإرساليات الأجنبية بمختلف أنشطتها سواء للمسلمين أو للمسيحيين الشرقيين أو غيرهم؛ إذ في إطار التوسع الاستعماري وترسيخ دعائم السيطرة الأوروبية في وعي الأهالي، خاصة باحتواء الأقليات الدينية والمذهبية والإثنية، ثم استقطابها، ثم عزلها وجعلها معادية لقيمها ومحيطها الديني الثقافي والحضاري.

وكانت أهم هذه النتائج الضارة تتمثل في: تأصيل الطائفية، وتفاقم الصراع بين الجماعات، وغرس المشروعين الانفصاليين الماروني، واليهودي.

فمن أجل تأصيل الطائفية، أنشأ النظام الغربي قاعدة للطائفية بزرعه لفكرة"الدولة - الأمة" (nation-state) المجسّد للطائفية نظاماً اجتماعياً، وقد رُبِطت هذه الدولة عمودياً بدول المركز وبعجلتها الاقتصادية، وقام بتلغيم القواسم المشتركة، ووسّع هوة الفوارق الاجتماعية، وأثار النزعات الطائفية بين الجماعات الدينية والمذهبية والعرقية.

أما فيما يخص تفاقم الصراع بين الجماعات، فهو على ضربين: صراع بين الجماعات الدينية والمذهبية والعرقية، وصراع من مستوى آخر، وهو صراع النخبة المستغربة مع الأغلبية الشعبية.

لقد لاحظنا سابقاً ضمن إستراتيجية التغلغل التبشيري، أن كل القوى الاستعمارية حاولت أن تدعم بطريقة منفردة أو مشتركة، جماعة على حساب جماعة أو جماعات أخرى، متعايشة سابقاً في ظل الخلافة العثمانية، من أجل مد هيمنتها وتكريسها على الخلافة العثمانية وتفكيكها، ثم الوصول إلى اصطناع دويلات مبنية على قواعد عرقية وطائفية وقبلية وإقليمية وجهورية. لكن المشروعين الذين استأثرا أكثر من غيرهما باهتمام القنصليات الأجنبية، في القرن التاسع عشر، هما إنشاء كيانين لليهود الأوروبيين والآخر للمسيحيين المحليين، وبالتحديد الموارنة، ليكونا بمنزلة حصنين متقدّمين للمركزية الغربية في الشرق الأوسط، ومنطلقين للمرافعة عن"العالم الحر".

وفي الفصل الثاني المُعنون"من السيطرة على الطبيعة إلى السيطرة على البشر"قام الكاتب بتحليل الكيفية التي تمّت بها بلورة مفاهيم المركزية العرقية الغربية، وكيف تضافرت هذه المفاهيم مع حملات التبشير باسم"العقل"و"العقلانية"أو"الموضوعية العلمية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت