فهرس الكتاب
محمد جمال عرفة
من مفارقات السياسة الأوروبية والأمريكية الجديدة في عالم اليوم أن الأمريكان يتجهون أكثر - عبر حكومتهم - نحو مزيد من العنصرية والصليبية في سياستهم الداخلية والخارجية، وبالمقابل يتبني الأوروبيون - في دستورهم الموحد الجديد - سياسة علمانية، ويرفضون حتى مجرد الإشارة إلى جذور أوروبا المسيحية في دستور أوروبا الموحد المفترض توقيعه في نوفمبر 2004.
وفي الوقت الذي تعلن فيه إدارة الرئيس بوش خطوات صليبية للتعامل مع العالم العربي، وتتخذ خطوات أخرى داخلية لزيادة تمويل التعليم الديني المسيحي في المدارس الأمريكية؛ تتبع البلدان الأوروبية سياسة أكثر علمانية في تعاملتها الخارجية، وتحارب التعليم الديني الإسلامي والحجاب في مدارسها باعتباره مخالف لهذه العلمانية.
فالرئيس بوش وصل به الأمر لحد محاربة القضاء الأمريكي، والتهديد بعدم تعيين القضاة الذي يعارضونه (محكمة الاستئناف في سان فرانسيسكو) ؛ لأنهم يرفضون اعتماد قَسَمٍ للولاء في المدارس يتضمن كلمة (الله) ، ولكنه - بالمقابل - طالب مصر، وباكستان، والسعودية بتغيير مناهج المدارس، ومحاربة الدينية منها بدعوى أنها تحض على الإرهاب!؟
وبوش أيضاً يشجع إقامة المدارس الدينية المسيحية، ويقدم لها الدعم، بل ويقود حملات قوية عبر حزبه الجمهوري المتحالف مع اليمين المسيحي المتطرف لإقامة مدارس غير مختلطة لكل من الإناث والذكور على حده، ولكنه بالمقابل يرفض تماماً دعم الحكومات العربية والإسلامية للمدارس الدينية الإسلامية التي تُخرج الدعاة وحفظة القرآن بدعوى أنها تخرج متطرفين وإرهابيين ومتعصبين.
وبالمقابل تسعي أوروبا الموحدة لرفض أي ربط بين الدين والدولة في دستورها الجديد الموحد، وتحارب حتى المدارس الدينية الإسلامية في أوروبا ولبس الحجاب، الأمر الذي قد تكون له انعكاسات مستقبلية علي السياسة الخارجية الأوروبية الموحدة عموماً، ورفض للتعليم الديني في أوروبا أو أي بلد عربي أو إسلامي آخر.
أيضاً سيترتب على عدم النص في الدستور إلى"مسيحية"أوربا وجذورها السماح لدول أخرى إسلامية مثل: تركيا للانضمام للاتحاد، بل وربما السماح لدولة يهودية مثل الدولة العبرية الإسرائيلية بالانضمام للاتحاد الأوروبي فعلياً.
ولهذا انتقد البابا يوحنا بولس الثاني بابا الفاتيكان الدستور الأوربي الجديد الذي توصلت إليه الدول الأعضاء بالاتحاد الأوربي في 18 يونيو 2004م في بروكسل لعدم تضمينه إشارة واضحة إلى الجذور المسيحية لأوربا، معتبراً أنه"لا يمكن قطع الجذور التي نشأنا منها"، واعتبر يوحنا بولس الثاني أن"تاريخ قيام الدول الأوربية مرتبط بالتبشير بالإنجيل"، وأن هوية أوربا"ستكون غير مفهومة بدون المسيحية، كما عبر الفاتيكان رسمياً 19- 6- 2004م عن خيبة أمله لإغفال ذكر الجذور المسيحية لأوربا في الدستور الأوربي الذي تم إقراره خلال قمة الاتحاد الأوربي، مؤكداً أن ذلك يشكل"رفضاً للبرهان التاريخي والهوية المسيحية للشعوب الأوربية"، وشاركت الكنيستان الكاثوليكية والبروتستانتية في ألمانيا في الإعراب عن خيبة أملهما لعدم إشارة الدستور الأوربي للمسيحية."
إغفال"المسيحية"يقضي علي نفوذ الكنيسة:
وكانت بولندا وإيطاليا قد حاولتا حتى اللحظة الأخيرة الحصول على ذكر للمسيحية في مشروع الدستور الأوربي، إلا أن معارضة عدد كبير من الدول بينها فرنسا كانت قوية جداً، فغاب ذكر المسيحية بنص الدستور، وتوصلت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي إلى اتفاق حول أول دستور للاتحاد لم يتضمن إشارة للمسيحية.
حيث سعي رئيس الوزراء البولندي ليجيك ميللر للمطالبة بذكر"الطابع المسيحي للاتحاد الأوروبي"صراحة في الدستور المقبل، وسعت دول أخرى تلعب فيها الكنيسة المسيحية دوراً كبيراً مثل: اليونان وأسبانيا والبرتغال لتأييد هذا الطلب، ولكن الدول الأخري التي تعادي أي دور للكنيسة خصوصاً فرنسا نجحت في حسم الأمر لصالح عدم النص على إشارة لجذور أوروبا المسيحية خشية أن يسمح هذا بدور مستقبلي للكنيسة في الحياة السياسية.
وتشير المقدمة التي اقترحتها المعاهدة حول مستقبل أوروبا فقط إلى"الميراث الثقافي والديني لأوروبا التي ما زالت قيمها موجودة في تراثها"، ولكن هذا لم يكف هذه الدول، وقال رئيس وزراء بولندا موطن بابا الفاتيكان:"إن المقدمة تتحدث عن التقاليد الأوروبية، ويجب أن يكون ضمن هذه التقاليد دون أدنى شك المسيحية".
أيضاً قدمت البرتغال من جانبها طلباً بهذا المعنى، وقال رئيس الوزراء البرتغالي جوزيه مانويل دوراو باروسو: إن الديانة المسيحية شكلت مساهمة أساسية لدول الاتحاد الأوروبي، ودعا رئيس الوزراء الهولندي يان بيتر بالكينيند إلى الإشارة إلى"الجذور المسيحية - اليهودية"في الدستور الجديد، كما طالبت بالأمر نفسه وزيرة الخارجية الاسبانية آنا بلاثيو ونفت الاتهامات بأنها تحاول تحويل أوروبا إلى"ناد مسيحي"، مشيرة إلى أن الهدف هو فقط"إبراز"الميراث المسيحي دون استثناء"الديانتين اليهودية والمسلمة".