إسطنبول: إبراهيم بوعزّي
غلاف مجلة المجتمع العدد 1759
أردوغان شخصية جمعت الكثير من الصفات، لتكون نموذجاً فريداً يقود تركيا بلد المتناقضات إلى بر الاستقرار الاقتصادي وأحضان الاتحاد الأوروبي. يصفه العلمانيون بأنه"إسلامي رجعي"! ويبالغون إذ يرونه خطراً على النظام الجمهوري العلماني، وقد يتهمه بعض الإسلاميين بخدمة المصالح الأمريكية والتخلي عن بعض المبادئ الإسلامية.
لكنه يصف هو نفسه بأنه"رئيس متدين لحكومة علمانية"، ويعطي تعريفاً جديداً لمفهوم العلمانية الحقيقية التي من وظائفها حماية الدين والمتدينين لا محاربتهم.
طفولته وشبابه: ولد أردوغان عام 1954م، في حي شعبي فقير بالجزء الأوروبي من إسطنبول. كان أبوه عاملاً على ظهر سفينة تعمل في سواحل مدينة"ريزه"على البحر الأسود فعلّم ابنه الصبر ومكابدة الأمواج العاتية.
تلقّى رجب طيب تعليمه الابتدائي في مدرسة حكومية مع أبناء حارته في إسطنبول، فتعلم هناك اللهجة القاسية التي تظهر في تصريحاته وخطاباته الرسمية، ثم التحق بعد ذلك ب"معهد الأئمة والخطباء"لينهي المرحلة الثانوية بتفوق، وتعلم هناك الفقه والعقيدة والتجويد فتهذّب أسلوبه في الكلام والتفكير أكثر فأكثر.
الشيخ رجب
وخلال دراسته الابتدائية أطلق عليه أستاذه اسم"الشيخ رجب"؛ ففي درس التربية الدينية سأل المدرّس التلاميذ عمّن يستطيع أداء الصلاة داخل الفصل ليتعلم منه بقية الطلبة، فرفع رجب يده ليكون قدوة لزملائه في أداء الصلاة، شكره المدرّس وفرش له صحيفة على الأرض ليصلي عليها، فما كان من"رجب"الصغير إلاّ أن رفض الصلاة على الصحيفة لما عليها من صور لنساء سافرات، دهش المدرس لموقف الصبي وأثنى عليه وأعجب بذكائه وورعه، وأطلق عليه لقب"الشيخ"، قبل أن يدخل ثانوية الأئمة والخطباء.
بيع"السميد"
وعندما كان في الثانوية كان رجب"الطيب"يساعد أباه في إعالة إخوته؛ حيث كان يبيع نوعاً من الكعك معروفاً لدى الأتراك باسم"السميد"، كان يشتريه يابساً بارداً بسعر زهيد ليسخّنه في البيت على البخار حتّى يصير طرياًً مستساغاً، ثم يبيعه بسعر مناسب ينفقه على إخوته.
ولأنه من أصيلي البحر الأسود المعروفين بالمهارة في التجارة ولأنه تمرّس على العمل في سوق الحي، التحق وهو لم يتجاوز عقده الثاني بكلية الاقتصاد بجامعة مرمرة الحكومية، مع أبناء الطبقة الشعبية ليصقل موهبته التجارية دون إهمال هوايته المفضلة كرة القدم، حيث مارسها منذ طفولته في ثلاث فرق رياضية بإسطنبول، ولمدة ناهزت العشر سنوات، إلى أن تخرّج من الجامعة والتحق بالخدمة العسكرية كضابط احتياط.
وقبل أن يلتحق بالمعترك السياسي في السبعينيات من القرن الماضي عمل أردوغان مستشاراً مالياً لبعض الشركات الخاصة ومديراً لعدد من المؤسسات المالية.
صور من مراحل حياة أردوغان
قصة زواجه: يقول الكاتب الصحفي التركي"فهمي جالموق"في كتابه الذي ألفه عن مسيرة حياته (1) : بدأت قصة زواجه من المناضلة الإسلامية في"حزب السلامة""أمينة"عام 1977م إثر رؤيا رأتها فتاة من أصل عربي من مدينة سعرد جنوب شرق الأناضول، رأت البنت الناشطة آنذاك في"حزب السلامة الوطني"في المنام فارس أحلامها يقف أمام الناس خطيباً فتعجب به في منامها قبل أن تعرفه على أرض الواقع (2) ، وبعد يوم واحد ذهبت أمينة مع الكاتبة الإسلامية"شعلة يوكسلشنلر"إلى اجتماع حزب السلامة فرأت نفس ذلك الشاب الذي رأته في المنام ثم تعرفت عليه، فإذا رجب ذو الأصول القوقازية من شمال شرق مدينة ريزه القريبة من جورجيا.
فتزوج الاثنان، واستمرت الحياة بينهما يسودها الحب والمودة، ووصلا إلى دفة الحكم في تركيا رغم الحجاب الذي ترتديه السيدة أمينة والذي يثير حفيظة الجيش والمعارضة العلمانية.
من"السلامة"إلى"الرفاه": تدرب رجب طيب على السياسة مع"حزب السلامة"الذي أنشأه البروفيسور نجم الدين أربكان، ورغم اهتمامه بالعمل السياسي منذ 1969م، إلا أن بدايته الفعلية للعمل التنظيمي كانت 1975م، حين اضطلع بقيادة الجناح الشبابي المحلي لحزب"السلامة الوطني"، الذي تأسس في 1972م بعد إغلاق حزب"النظام الوطني"وانتقال مؤسسه أربكان إلى سويسرا.
وقبل إغلاق الحزب كان قد تم اختيار أردوغان عضواً بالمجلس الإداري للإدارة العامّة للأجنحة الشبابية بحزب السلامة، وبقي في هذا المنصب حتى عام 1980م.
وبعد إغلاق حزب السلامة وتأسيس"حزب الرفاه"ترأس رجب طيب أردوغان فرع الحزب الجديد ببلدة"بايوغلو"مسقط رأسه، وأحد أكبر بلدات الجزء الأوروبي من إسطنبول في عام 1984م، وسرعان ما سطع نجم أردوغان في"حزب الرفاه"، فأصبح رئيساً لفرع الحزب في ولاية إسطنبول في 1985م، ثم أصبح عضواً في اللجنة المركزية للحزب بعدها بعام فقط.
وفي الانتخابات البلدية التي جرت عام 1994م فاز أردوغان برئاسة البلدية المركزية لمدينة إسطنبول الكبرى.
أربكان.. القائد القدوة