فهرس الكتاب

الصفحة 516 من 27364

الغرب يرتّد عن قوانينه!

يحي أبو زكريا

20/3/1426هـ

ظلّ الغرب وعلى مدى سنوات نهضته الشاملة يتباهى بشموليّة قوانينه، وعدم تغيّرها تبعًا لتغيّر الحكومات والأنظمة، كما هو شأن الدول العربية التي لا تعرف قوانينها ثباتًا، وتتعرّض باستمرار للنسخ، وكان الغربيون يعدون أن استقرار قوانينهم هو السبب المباشر لتطورهم المستمّر، ومن هذه القوانين المركزيّة ما له صلّة بحقوق الإنسان، واللجوء السياسي والإنساني في الغرب.

وإلى وقت قريب كانت العواصم الغربية ترفض المساومة على قوانينها، وخصوصًا عندما كان الأمر يتعلق بإلحاح الدول العربية في المطالبة بأشخاص مطلوبين لديها بتهم متعددّة، وكانت العواصم الغربية تتذرّع بقولها: إنّ الأدلة المقدمة من قبل الأجهزة الأمنية العربية واهيةّ، ولا ترقى البتّة إلى مستوى الدليل القاطع، وكانت تطالب بمزيد من البراهين والأدلّة، وكانت الأنظمة العربية تقدّم ملفات إنشائيّة أبعد ما تكون عن المستند القانوني، وكثيرًا ما كانت بعض العواصم الغربية تدعّي أنّ الأشخاص المشبوهين والمطلوبين وهي تطالب برؤوسهم أنّ هؤلاء ينتمون إلى الإسلام السياسي الذي يهددّ الحضارة الغربية، وأنّ أصحاب هذا الطرح فيما لو وصلوا إلى السلطة بأسلوب العنف فسوف يهددّون الغرب، ويقضون على العلمانيّة الغربيّة التي هي النموذج الرائع والمتميز في نظر النخب الحاكمة الراهنة في العالم العربي.

ورغم هذه المقدمة والديباجة التي تعودّت الأجهزة الأمنية العربية تقديمها لنظيراتها الغربية لم تكن كافية البتّة لإقدام الغرب على نسخ ثوابته وقوانينه، والتفريط في من لاذوا به لاجئين حسب مواثيق جنيف لقضايا اللجوء التي وضعت سنة 1951م، ووافقت عليها كافة الدول الغربية التي رفعت راية حقوق الإنسان، والاستماتة في الدفاع عن هذه الحقوق، والتي بموجبها تمّ تقسيم العالم إلى عالم ديموقراطي يرعى حقوق الإنسان، وعالم ديكتاتوري شمولي يلاحق الإنسان في كل تفاصيل حياته المعنويّة والماديّة.

وبناءً عليه وقع انفصال كبير بين هذين العالمين، وباتت السياسات تصاغ في ضوء المبادئ المذكورة، ورغم المجهودات الدوليّة المبذولة في المحافل الدوليّة، ومساعي دول محور الجنوب الذي كان على الدوام يتهمّ بالاستبداد لرأب الصدع بينه وبين العالم الحرّ الليبرالي المنافح عن حقوق الإنسان - كما يزعم - إلاّ أنّ أي تقارب لم يتحققّ، بل إنّ الفجوة ازدادت اتساعًا بين المحورين إلى أن وصلت إلى إيصال حاكم بلغراد الأسبق ميلوسوفيش إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي - هولندا - وهو محسوب على محور الديكتاتورية، فيما ظلّ أرييل شارون (رئيس وزراء الدولة العبريّة) طليقًا رغم مجازره المتعددّة؛ لأنّه ينتمي إلى محور الديموقراطية حسب تصنيفات المنظرّين الغربيين.

وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وقع تقارب كبير ومدهش بين محور الديكتاتوريات ومحور الديموقراطية، وبسرعة البرق تناست العواصم الغربيّة منطلقاتها وثوابتها، فباتت تستقبل ملفات الأجهزة الأمنية برحابة صدر، وخرجت من دائرة العمل بالبينّة إلى دائرة العمل بالشبهة، ويكفى أن يكون المشتبه فيه مقيمًا للصلاة، متوجهًا للكعبة المشرفّة في صلواته الخمس، قارئًا للقرآن؛ لتثبت الشبهة، ويصبح المشتبه فيه تحت دائرة الضوء مجردًا من الحقوق - كل الحقوق - التي أقرّها القانون الغربي نفسه.

وكثيرًا ما كان المحققون الأمنيون الغربيون يسألون المشتبه فيهم - وهذه الأسئلة استقيتها من أشخاص مسلمين جرى فعليًا التحقيق معهم في أكثر من عاصمة غربيّة - هل تؤدّي الصلاة؟! هل تشرب الخمر؟! ما هو مذهبك الديني؟! هل أنت ملتزم بالإسلام وتؤدّي فرائضه أم أنت مسلم بالاسم؟! هل أمك محجبة وزوجتك وبناتك محجبات؟! ما هي الكتب التي تقرؤها؟! ما رأيك في هذا الشيخ وذاك الشيخ؟! وماذا تعرف عن الخلاف الفقهي بين هذا وذاك؟! وما إلى ذلك من الأسئلة التي يستشف سامعها أنّ هناك توجهًا جديدًا يشبه إلى حدّ كبير منطق محور الديكتاتوريات في التعامل مع المشبوهين.

والأخطر من ذلك قيّام بعض العواصم الغربيّة بتجريد مسلمين حصلوا على حقّ اللجوء السياسي والإقامة الدائمة من هذا الحق، ومن حقّ الإقامة الدائمة كما فعلت النرويج مع الملا كريكار الذي جرى تجريده من حقّ اللجوء السياسي، والإقامة الدائمة، وطرده من النرويج؛ علمًا أنّ المخابرات النرويجية لم تعثر على أي دليل يدينه غير الإلحاح الأمريكي بالمطالبة برأسه، مع الإشارة أنّ كريكار كان معتقلًا في هولندا، وجرت تبرئته لعدم وجود دليل مادي ملموس ضدّه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت