د. عبد الوهاب بن ناصر الطريري
ليس عجيباً أن يكون من مظاهر النعرة الأمريكية، وزهو القوة وغرورها التدخل في خصوصيات المسلمين، وصميم حقوقهم المعنوية، وكان هذا ظاهراً في خطاب الكاتب اليهودي الأمريكي (فريد مان) عن مناهج التعليم لدينا، وأنها المسؤولة عن الإرهاب، ولكن الأعجب الذي لا ينقضي منه العجب أن نسمع رجع الصدى في كتابات لكتاب خليجيين في صحفنا المهاجرة، ثم تبعهم بعض إخواننا في صحفنا المحلية.
وليس بخاف أن المقصود بالهجوم على المناهج والمطالبة بتغييرها ليس إلا مناهجنا في المملكة السعودية، وليس المناهج التي صنعها (اللورد كرومر) ، ولا مناهج بلدان شقيقة ليس لمواد الدين فيها قدر العشر مما للرسم والرياضة والموسيقى.
وليس لدي من تعليق إلا بعض الأسئلة والتساؤلات حول الموضوع.
-هل من الموضوعية توحيد السبب وقصره في سبب واحد بعيد كل البعد عما حدث، وتجاهل الأسباب الحقيقية المؤثرة؟
-أليست هذه المناهج التي لدينا هي المناهج التي تخرَّج عليها وزراء وسفراء وأساتذة الجامعات وكتاب تلك المقالات أيضاً، فما الحصانة التي جعلتهم لا يتأثرون بها مع ملايين الخريجين، في حين نجحت في التأثير في خمسة عشر شاباً؟!
-كم عدد الذين تخرجوا من المدارس الدينية - كما توصف - من بين هؤلاء الذين يسمون بالإرهابيين. ونحن نعلم أن أدنى مراجعة لسجِلِّهم العلمي تُبين أن فئة كبيرة منهم لم تكمل تعليمها النظامي، والفئة الأخرى في تخصصات أخرى ليست شرعية، كالطب والهندسة مثلاً.
-أليس رجال الجماعات المتهمة بالعنف في مصر هم الذين كانوا أطفالاً في عهد الرئيس عبد الناصر، فتفتح وعيهم على التعليم والإعلام والثقافة والأدب وكلها تربي الناس على المبادئ القومية والاشتراكية؟
-ما المدارس الدينية التي تخرج منها مجندو جماعات العنف في الجزائر، والذين كانوا أطفالاً في عهد الرئيس (بومدين) يوم كانت البلاد تعيش ظلمات الاشتراكية وتغالب فلول الفرنسة.
-أليس الأزهر أكبر معقل علمي ديني، وأضخم جامعة إسلامية، فكم نسبة الذين وقعوا في مدحضة اجتهادات العنف إلى عدد خريجيه، وكم نسبتهم إلى أصحاب هذا الاتجاه من الجامعات الأخرى؟
-هل مصدر التلقي والتكوين العلمي والعقلي محصور في المدارس النظامية والجامعة الدينية، أليس الإعلام أقوى سطوة وأوسع انتشاراً وأكثر كثافة؟ ماذا تساوي ساعات الجلوس على مقاعد الدراسة في فصلي العام الدراسي إلى الساعات الطوال التي تتعاقب فيها وسائل الإعلام مسموعة ومقروءة ومرئية. على عقل الإنسان ووجدانه؟
-ما المناهج التعليمية الدينية التي أثَّرت في كاتب كويتي يطالب بتغيير مناهجنا اليوم حتى ذهب في يفاعة شبابه مناضلاً مع جبهة تحرير ظفار ليقاتل إخوة له في الإسلام والعروبة والرحم من أجل مبادئ يسار اليسار. وما المناهج الدينية التي كانت وراء قيام مجموعات من الشباب اليساري بتفجيرات الستينات في الكويت، وكان هناك شاب في مثل سنه متهماً فيها؟!!
-أليست المدارس والمعاهد الشرعية قائمة منذ مئات السنين؟ فأين الإرهاب الذي أفرزته كل تلك الحقب.
-ألم تمضِ السنوات وهذه المدارس لا تذكر إلا على سبيل الزراية بها ووصفها بالجمود والتحجر، وعدم التعامل مع المجتمع، وعدم القدرة على التأثير فيه، ثم ادكّرنا بعد أمة أنها تؤثر هذا التأثير كله، وراجت عندنا التهمة لما صنعت وصدرت ضمن الصادرات الأمريكية.
-أليس من الغريب العجيب أن هذه المدارس الشرعية مستهدفة من هذا التيار الأمريكي وامتداده، كما هي مستهدفة في الوقت ذاته لهجوم عنيف من جماعات العنف ذاتها؟
-ألم يعلم إخواننا وهم يقولون ذلك أن أول خطوات الفكر المنحرف تزهيد الناس في الدراسة النظامية بعامة والشرعية بخاصة، وأحياناً تحريمها بحجج متنوعة أدناها أن هذه الدراسة منزوعة البركة، وأنه لا يبتغى بها وجه الله، بينما السبب الحقيقي أن التعليم الشرعي المتكامل الذي يجمع بين الفقه وأصوله، والحديث وشروحه، والقرآن وتفسيره، يخرج أفواجاً مؤصلة بقواعد ضابطة، عاصمة من الغلو والجنوح، راسخة فلا يسهل استلابها والتأثير عليها، وهذا هو السر في ندرة خريجي الجامعات الشرعية بين الجماعات الغالية.
-إذا اتهمت مناهجنا وحملت المسؤولية عن الذين درسوها، فماذا عن الذين لم يدرسوا في هذه البلاد وإنما تناثرت بلادهم من موريتانيا والجزائر وليبيا إلى استراليا وأمريكا فما مدى مسؤولية التعليم والمناهج عن هؤلاء، وهل يصلح اعتبارها قاسماً مشتركاً.
-وكم تمنينا من الإخوة الذين ترجموا لنا الطلب الأمريكي أن ينقلوا تساؤلاتنا إليهم بالأمانة ذاتها.
-أليس في هذا التدخل الأمريكي اصطدام رأسي مع القيم التي تتبناها أمريكا من الحرية والديموقراطية، إذ ينزع هذا الطلب إلى سلب المسلمين حرية التدين والتعلم، ويفرض عليهم ما يتعلمون وما يعتقدون، وما عليهم أن يتركوه من المعتقدات.