د. ميسم الفاروقي
تغيرت حالة التعليم العالي في مجال الدراسات الإسلامية تغيراً هائلاً و تقدمت تقدماً ملحوظاً في العقود الأخيرة في الولايات المتحدة. و بغرض فهم الوضع الراهن و تفهُّم المشكلات و مناحي القصور الحالية المتعلقة بهذه الدراسات، سوف نقوم أولاً بمراجعة تطور هذا المجال فيما يتعلق بالدراسات الدينية بشكل عام، ثم نركز بعد ذلك على المشكلات الرئيسية المتعلقة بتدريس الإسلام على وجه الخصوص، وهي مشكلات تتعلق على وجه التحديد بالمعلمين ومناهج التعليم من ناحية، وبالكتب وطريقة كتابتها من ناحيةٍ ثانية.
التطور التاريخي:
انتقلت الدراسات الدينية في العالم الغربي من المؤسسات اللاهوتية إلى المعاهد العلمية، و أدخل (عصر العقلانية) الغرب في دائرة الدراسات المنهجية و العلمية للدين، و التي تختلف بشكلٍ ملحوظ عن الطرق الكَنَسيّة لدراسة الدين و التي تعتمد بشكلٍ أساسي على التسليم. و قد أدى هذا إلى الاعتراف بأن الدين كظاهرةٍ اجتماعية و سياسية و ثقافية يمكن فهمها و شرحها عبر العلوم الاجتماعية و ليس عبر علم اللاهوت.
ومن المعروف أن هذه العلوم الاجتماعية أبدعت طرائقها في البحث بشكلٍ يتناسب مع موضوعاتها ومجالات بحثها، و لكن استعمال هذه الطرائق في مجال دراسة الأديان يؤدي عادةً إلى اختزال الدين إلى أحد أبعاده فقط. فبدلاً من رؤية الدين كعقيدةٍ جامعة تربط كل الأمور ببعضها، ضاعت هذه العلوم في التحليل الجزئي الذي فشل في رؤية البنية الكلية التي تجمع الأمور و تعطيها معناها. و قد كان التحدي لطالب الدراسات الدينية أن يطور حقل دراسة الأديان بحيث يكون الدين وحده هو محور الاهتمام و مصدر التعريف و مفصل التفريق، وبحيث يصبح الدين موضوعاً خاصاً متفردا مستقلا، تُستدعى لدراسته طرائق بحثٍ خاصة مستمدة و مفهومة من طبيعته الكلية.
وبعيداً عن الدخول في تفصيلات الموضوعات المنهجية لدراسة الدين، تجدر الإشارة إلى أنه رغم الاختلاف حول تاريخ الدين و تعريف موضوع الدين و بنية الدين، إلا أن هناك اتفاقاً عاما حول استقلال و ذاتية حقل الدراسات الدينية و الذي احتفظ به عبر منهجية الظاهراتية. و قد نأى هذا الاتجاه بنفسه بعيداً عن المنهجية اللاهوتية التي تعنى بتأصيل الحقيقة المطلقة، و بقي في نفس الوقت على مسافةٍ من منهجية الاختزال التي تمارسها العلوم الاجتماعية، و التي لا تستطيع أن تفسر إلا أموراً جزئية من الدين. و بالطبع لم ترحب المدارس اللاهوتية التي احتكرت دراسة الدين (بِعَلمَنة) هذا المجال من الدراسة من قبل علماء الاجتماع أو علماء الظاهراتية. لكنها تقبّلت - في بعض الأحيان - هذه العلوم المستحدثة بشرط إضافة لمسةٍ دينية تُثبت أن الإيمان هو النتيجة النهائية لمكتشفاتها. و ظلت النصرانية في أوروبا محصورةً بمدارس اللاهوت و الكنائس بينما كان للأديان الأخرى معاهد و مؤسسات"استشراقية". أما في الولايات المتحدة فقد كانت جميع الأديان تتكامل في أقسام و هذا يعني تطبيق نفس المنهجية على جميع الأديان بغض النظر عن تفوقها.
كان كل ذلك من الناحية النظرية - على الأقل- و لكن التطبيق أثبت صعوبة التزام هذه المنهجية بشكل شامل. فلم تكن أقسام الدراسات الدينية تلتزم دائما بالمنهجية الظاهراتية التي كانت تُستخدم بشكل أكثر جدية في الدراسات المتعلقة بالنصرانية (ثم اليهودية بعد ذلك) منها في الدراسات المتعلقة بالأديان الأخرى. فبالنسبة للنصرانية كدينٍ للأغلبية في الغرب، كان العلماء الجدد على علمٍ و درايةٍ بالبعد الاعتقادي و هذا بالطبع يمنع من الجنوح إلى الاختزال في الدراسات النصرانية، أما ما يحدث عند دراسة أي دين آخر"غير غربي"فكان على عكس ذلك تماما.
فالإسلام كما يروون لنا سواء في النشرات التمهيدية أو التخصصية ليس ديناً واحدا فهناك عدة نسخٍ وأنواعٍ من الإسلام (أو ما يسمونه"إسلامات") ، و تديُّنُ المسلمين يختلف من منطقة إلى أخرى في العالم، و تتمحور أكثر دراسات الطلبة للأديان غير الغربية على دراسة السلوك وعلى عرض وجهات نظر شائعة. و بالمقابل لا تُعطى المجلدات الضخمة التي تتحدث عن العقيدة أي اهتمام، و ليس هناك من محاولة لكشف العلاقة بين السلوك و عقائد الدين.
و بالطبع فإن نقص الفهم و الإدراك لعقائد الأديان الأخرى هو الذي يحمل الطلاب الغربيين على التركيز على الدراسات العرقية و الدراسات الميدانية. و نظراً لعدم تمكنهم من فهم العلاقة بين الواقع و عقيدة الدين فإن ذلك يقودهم إلى التقديم المختصر المختزل الذي تصبح فيه شعائر العبادة هي المُعبِّر الرئيسي عن الدين. و على سبيل المثال - إذا لم تكن مسلماً - فإن معرفتك بالعقيدة الإسلامية لن تتعدى العلم بأن المسلمين يؤمنون بالإله و يمارسون أركان الإسلام الخمسة، و بعبارةٍ أخرى فإن الفهم الإجمالي سيتلخص أن هناك بعض الشعائر ترتبط بالإيمان. و بالطبع فإن المختص سيكون على علمٍ بكثيرٍ من التفاصيل التاريخية و لكن الفهم للعقيدة سيكون معدوماً في غالب الأحوال.