ولأن مستشرقنا النمساوى يرفض القول بالنسخ نراه يلوى بعنفٍ الآيتين 6- 7 من سورة"الأعلى":"سنُقْرِئك فلا تنسى* إلا ما شاء الله"قائلاً إنهما قد سببتا حيرة شديدة للمفسرين إلى يومنا هذا، وإنهم كالعادة قد لجأوا في تفسيرهما إلى القول بالنسخ، أما هو فيفسرهما بأن المقصود بهما ليس قراءة القرآن ونسيانه بل العلم البشرى بكل أنواعه من تجريبي وتأملي واستنباطي مما يورِّثه كل جيل للجيل الذي يليه، فلا يضيع منه شيء إلا ما شاء الله أن ينساه البشر لكونه لم يعد صالحاً جَرّاء تقدم العلم، والتنبه إلى أنه كان خاطئاً (27) ، وفي هذا التفسير من التمحُّل ما فيه، فالكلام في الآيتين موجَّه للرسول - عليه الصلاة والسلام - على حين أنه حسب تفسير أسد موجه للبشرية كلها دون أن يكون في السياق ما يسوِّغ هذا التفسير!
على أن محمد أسد ليس هو الوحيد الذي ينكر النسخ من المسلمين، بل مجرد واحد منهم، وأذكر في هذا الصدد أن عبد المتعال الجابرى مثلاً قد أصدر منذ وقت غير بعيد كتاباً بعنوان"لا نسخ في القرآن"، ولهذا الفريق حججه التي يبسطها في الدفاع عن رأيه، وهم يؤوِّلون كل آية يقول غيرهم إنها قد نُسِخَت بحيث تبدو وكأن مفعولها لا يزال سارياً، ولست أرى في هذا ما يجرح إيمان صاحبه وإن كنت أخالفهم في موقفهم، وقد أحببتُ في ردّى على أسد أن أبين أن الأدلة التي يوردها في الدفاع عن رأيه ليست بالأدلة القوية أو الوجيهة، وهذا كل ما هنالك، وعلى أية حال فإني أجد الخلاف معه هنا أهون كثيراً من الخلاف حول عصمة الأنبياء، أو نجاة اليهود والنصارى والصابئين بعد مجيء الرسول - عليه الصلاة والسلام - برسالته إلى جميع الإنس والجن.
وفي النهاية أحب أن أضيف أني بعد أن فرغت من هذه الفصول قد اطَّلعت على ترجمة محمد أسد في"تتمّة"الأعلام"للزِّرِكلِْىّ"لمحمد خير رمضان يوسف الذي يقول إن أسد قد"ظل يُسْدِى النصح الصبور إلى الإسلاميين ليقنعهم بأن الموعظة الحسنة والبناء المتأني لا الصراع المتعجل هو سبيل البناء الإسلامي الصحيح" (28) ، وأنا معه في هذا، وأرى أنه ينبغي البدء بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية قبل التفكير في تطبيق الحدود التي ينبغي أن تكون آخر ما يُطَبَّق بعد أن تكون الأرض قد مُهِّدَت تماماً مثلما حدث في عصر الرسول - عليه الصلاة والسلام -.
* وهذا ليس من التشدد في شيء لأن الخلاف وارد في هذه المسألة، أما الرأي المذكور فهو خاص بالكاتب. المختار الإسلامي.
المصدر: http://www.alshaab.com/2004/29-10-2004/awad.htm