بقيت نقطتان أختتم بهما هذا الجزء الخاص بالمسائل الفقهية في تعليقات أسد على ترجمته للقرآن: الأولى عَزْوُه إلغاءَ التبني في الإسلام إلى"رغبةِ الرسول"وزعمُه أنه صلى الله عليه وسلم حين زوَّج زيداً من زينب كان في ذهنه هذا الهدف، وكأنه - عليه الصلاة والسلام - قد رتَّب كل شيء بحيث يتزوج ربيبُه بنتَ عمته ثم يطلقها ليتزوجها هو، إذ كانت زينب (كما يقول كاتبنا) تحبه منذ طفولتها (21) ، ولكن كيف عرف أسد أن زينب كانت تحب الرسول منذ الطفولة؟ وكيف طاوعته نفسه على كتابة هذا الكلام الذي يرجع بعضاً من التشريعات الإسلامية على الأقل إلى"رغبة الرسول"- عليه الصلاة والسلام -؟ بل كيف يرضى محمد صلى الله عليه وسلم وهو العربي الغيور أن يزوج بنفسه حبيبته وعلى غير هواها من عبده السابق تخطيطاً للزواج بها من بعد؟ وكذلك كيف فات كاتبنا أن كلامه هذا يناقض القرآن الذي عاتب النبي صلى الله عليه وسلم في الآية 37 من سورة"الأحزاب"لأنه"يخشى الناس"فيتباطأ في الزواج من زينب بعد تطليق زيد لها كيلا يقول الناس إنه قد تزوج امرأة ابنه، مع أن الله أحقّ أن يخشاه؟ الواقع أنني لا أعرف سر هذا الغرام لدى أسد بمخالفة ما هو معلوم ومقرَّر دون داع، والإتيان بتلك الآراء الغريبة التي يصعب على النفس والعقل هضمها!
والنقطة الثانية هي دعواه بأن الحكم الشرعي في قوله عزَّ من قائل: (( يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدِّموا بين يَدَىْ نجواكم صدقة ) )لا يزال ساري المفعول، إذ الآية في نظره أعم مما يُفْهَم من ظاهرها، وأن المقصود هو وجوب تقديم المسلم صدقة كلما أقبل على دراسة التعاليم النبوية، ماليةً كانت هذه الصدقةُ أو مجردَ كلمة طيبة...إلخ، لأن هذه التعاليم تقوم مقام النبي نفسه - عليه الصلاة والسلام - (22) ، وكاتبنا بهذه الطريقة يُضَيِّع معالم النص، ويجعله ينطبق على كل شيء وأي شيء، ثم إننا لم نسمع أن أحداً من الصحابة كان يفعل هذا الذي يطالب به أسد، بل بالعكس كان بعضهم يشفقون أن يقدِّموا بين يدي نجواهم مع الرسول نفسه صدقات كما تقول الآية التي تلي ذلك، فكيف يطالَب المسلمون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أن يقدِّموا هذه الصدقات؟ على أية حال فهذه الآية نفسها توضح أن الله قد أعفاهم من هذا الحكم، إذ تقول: (( أأشفقتم أن تقدِّموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتُوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون ) )لكن أسد رغم هذا لا يسلِّم بل ينفي أن يكون في الآية الثانية نسخ للأولى، إذ إنه ينكر فكرة النسخ من جذورها لأنها كما يقول تذكِّرنا بمؤلِّف بشرى يعيد النظر في بعض النصوص التي كتبها فيشطب ما تبيَّن له خطؤه، ويستبدل به كلاماً آخر (23) .
والمعروف أن النصارى يتخذون من فكرة النسخ في القرآن هدفاً لمطاعنهم رغم وجوده في دينهم، ويتهمون كتاب الله بالتخبط، وتغيير الأحكام من آونة لأخرى (24) ، فهل يريد أسد أن يغلق الباب في وجه هؤلاء وأمثالهم؟ لكننا لو نفينا من القرآن كل ما يتخذه أعداؤه مطاعن عليه فأخشى ما يُخْشَى أن نصحو ذات يوم لنجد أننا قد ألغينا القرآن كله! وأياً ما يكن الأمر فلا بد أن نعرف أن النسخ غير"البَداء": فالبداء هو اتهام الله - سبحانه - بالجهل بما سيقع والاضطراب في الأحكام بناءً على هذا كما يزعم اليهود، أما النسخ فهو المواءمة مؤقتاً بين الأحكام وبعض الظروف الطارئة ثم تغيير هذه الأحكام بعد زوال الطارئ من الظروف، فالفرق بينهما كما ترى هو الفرق بين المشرق والمغرب (25) .
والحق أن في تفسير أسد لمفهوم النسخ ظلماً وتجنياً شديداً على من يقولون به، فهم لا يقصدون هذا الذي يقول البتة، ولا يمكن أن يدور بذهنهم شيء منه، وكل ما يقولونه هو أن الظروف في بداية الدعوة الإسلامية كانت تحتاج إلى بعض التشريعات المؤقتة التي تناسبها ثم اسْتُبْدِل بها غيرها حين زالت هذه الظروف الخاصة، وهذا مشاهَدٌ في كل مجالات الحياة، فالطفل مثلاً له معاملة تختلف عن معاملته هو نفسه حين يكبر، وليس يظن عاقل أن في الأمر خطأ، بل هي طبيعة التطور، وعجيب أن يتصلَّب أسد في موقفه هذا من النسخ، وهو الذي يقول باحترام التطور في مسألة الزي النسائي على رغم خطورة الرأي الذي ينادى به.
ومما يعتمد عليه مترجمنا في إنكار النسخ في القرآن أيضاً الآية 42 من سورة"فُصِّلَتْ"التي تصف القرآن المجيد بأنه"لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"لأنه يظن أن"إبطال"الحكم في الآية المنسوخة هو نفسه"الباطل"الذي نفته الآية عن القرآن (26) مع أن هذا غير ذاك، ومثله نوع الطعام الذي يقدَّم للإنسان في فترة الرضاعة إذ بعد أن يكبر الطفل وتنبت له أسنان ويقوى جهازه الهضمي فإن أمه تكفّ عن إرضاعه وتقدِّم له بدلاً من ذلك أطعمة متماسكة، ولا يقال أبداً إنه قد اتضح أن اللبن كان طعاماً باطلاً.