وما دمنا بصدد الحديث عن المرأة فيحسن أن نورد هنا رأى كاتبنا في زي النساء في ضوء ما طالبتهن به الآية الحادية والثلاثون من سورة"النور"التي تقول: (( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يُبْدين زينتهن إلا ما ظهر منها ولْيضربن بخُمُرهن على جيوبهن... ) )إذ يرى أن عبارة"إلا ما ظهر منها"عبارة غامضة قصداً كي يترك الإسلام الباب مفتوحاً للتطورات الاجتماعية في تحديد المساحة التي تظهرها المرأة من جسدها، وعلى هذا فهو يخالف العلماء الذين يحددون المقصود بـ"ما ظهر منها"بالوجه والكفين والقدمين أو أقل من ذلك، ثم يضيف مؤكداً أن المهم هو غض البصر وحفظ الفرج لأن هذا هو مقياس العفة الذي ينصبه الإسلام للحكم على سلوك المرأة ولبسها (18) ، ومن الواضح جداً أن محمد أسد قد فاته ما نصَّت عليه أقوال الرسول من أن المرأة إذا بلغت المحيض فلا يحل لها أن تُظْهِر من نفسها إلا الوجه والكفين، ومن الواضح أيضاً أنه لم يبال كثيراً بما تقوله الآية ذاتها من وجوب ضَرْب النساء خُمُرهن على جيوبهن ولا ما جاء في الآية 59 من سورة"الأحزاب"من قوله - عزَّ شأنه: (( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يُدْنِين عليهن من جلابيبهن ) )فمن هاتين الآيتين نعرف أن المسألة ليست متروكة للتطور الاجتماعي بل هي محددة تحديداً، وإلا فلِمَ أمر القرآن نساء المؤمنين بألا يكتفين بستر رؤوسهن بالخمار بل لا بد أن يغطين به صدورهن أيضاً، أو بأن يُدْنِين عليهن من جلابيبهن ما دام المجتمع في ذلك الوقت كان يسمح بكشف الصدر والشعر وما إلى ذلك؟ أليس هذا دليلاً على أن القرآن هو الذي يُسَيِّر المجتمع ويوجهه في هذه المسألة لا العكس كما يريد أن يقنعنا محمد أسد؟ وهب أن العرف الاجتماعي في بلد ما (كما هو الحال في بعض مناطق أفريقيا الهمجية مثلاً، وكذلك في أندية العراة، ومسارح الإستربتيز، وكثير من الأفلام في الغرب نفسه، وبعض بلاد العالم الأخرى أيضاً) لا يرى في كشف المرأة أثداءها ولا سوأتها من حرج، فهل يمكن القول بأن القرآن يقرّ ذلك العرف ولا يرى به بأساً؟ فما دور الإسلام إذن في هذه القضية الخطيرة التي لها من الآثار الاجتماعية والأخلاقية ما ليس لكثير غيرها؟ وإذا كان القفّال الذى يستشهد به أسد قد فسَّر حدود"ما ظهر منها"بأنه"ما تقضى به العادة الجارية"، فقد كان مقصده هو العادة الجارية في المجتمعات الإسلامية في عصره، إذ مهما تفاوتت العوائد وقتها فلم تكن لتخرج عن نطاق الشرع: فبعضٌ يرى أنه لا بأس بكشف الوجه واليدين مثلاً، وبعضٌ آخر يوجب أن تغطى المرأة وجهها ويديها أيضاً تغطية تامة، وبعضٌ ثالث يخفف قليلاً فيجيز لها ارتداء البرقع بدلاً من النقاب... وهكذا.
ثم كيف يا ترى يمكن وصف المرأة التي تعرِّى شعرها وذراعيها وصدرها مثلاً بصفة الحشمة (decency) كما يقول أسد؟ إن هذا تمييع للمفاهيم وللحدود الفاصلة بينها، إننا لسنا من المتشددين الذين يرفضون أن يظهر من المرأة حتى ولا الوجه والكفان*، لكننا لا نستطيع رغم ذلك أن نوافق على ترك الميدان دون ضابط أو كابح بحجة مسايرة"العادة الجارية"، وفوق ذلك فالأستاذ أسد قد عاد في الهامش الذي بعد ذلك فقال: إن الصدر في الإسلام هو جزء من أجزاء جسم المرأة التي لا يمكن إظهارها (19) ، إذن فالمسألة ليست متروكة سبهللاً بل هناك ضوابط تحكمه وهذا أحدها، كذلك كيف يقول كاتبنا ما قال والآية التي تلي ذلك تحرِّم على النساء إظهار زينتهن إلا لآبائهن أو آباء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن...إلخ؟ إن هذا يبرهن بأجلى برهان أن زي المرأة ليس متروكاً للعادة الجارية بإطلاق بل له قواعد محددة.
وفي الآية 58 من سورة"النور"الخاصة بالاستئذان داخل البيت الإسلامي والتي توجب على الذين ملكتهم يمين المسلم والذين لم يبلغوا الحُلُم أن يستأذنوا أهل البيت قبل الدخول عليهم في ثلاثة أوقات محددة: من قبل صلاة الفجر، وحين يضعون ثيابهم من الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء؛ يقول محمد أسد: إن"ما ملكت أيمانكم"يمكن أن يكون المقصود بها مَنْ ملكته يد المسلم أو المسلمة من خلال الزواج (أي الزوج والزوجة) ، وذلك بناء على قوله إن السبيَّة لا يصح الاتصال الجنسي بها إلا بعقد زواج ومهر، وقد فرغنا من توضيح خطئه في هذه النقطة، ونزيد هنا أن من الغريب جداً القول بوجوب استئذان كل من الزوجين على الآخر قبل الدخول عليه مع أن كليهما يرى من رفيقه في الفراش ما لا معنى معه لوجوب استئذانه عند الدخول عليه في غرفة النوم، ليس ذلك فقط بل هو يفسر"الظهيرة"في الآية بـ"النهار كله" (20) ، ومعنى ذلك أن وجوب الاستئذان سيستمر أربعاً وعشرين ساعة تقريباً ما دامت الظهيرة تساوى النهار كله، على حين يتكفل بالليل جميعه تقريباً الوقتُ الممتد من بعد صلاة العشاء إلى ما قبل صلاة الفجر، لكن إذا كان الأمر كذلك فعلاً فلِمَ حدَّد القرآن مرات الاستئذان بثلاث ولم يقل:"ليل نهار"فيريح ويستريح؟