بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد .
فإن الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان ، وتحقيقه في واقعنا هو المقياس الشرعي السديد تجاه الناس بشتى أنواعهم ، والحب في الله والبغض في الله هو الحصن الحصين لعقائد المسلمين وأخلاقهم أمام تيارات التذويب والمسخ كزمالة الأديان والنظام العالمي الجديد والعولمة ونحوها .
ومسائل هذا الموضوع كثيرة ومتعددة ، وقد عُني العلماء قديماً وحديثاً بتحريرها وتقريرها ، لكن ثمت مسائل مهمة - في نظري - تحتاج إلى مزيد بحث وتحقيق وإظهار .
منها: أن الحبّ في الله تعالى والبغض في الله متفرع عن حب الله تعالى ، فهو من لوازمه ومقتضياته ، فلا يمكن أن يتحقق هذا الأصل إلا بتحقيق عبادة الله تعالى وحبّه ، فكلما ازداد الشخص عبادة لله تعالى وحده ازداد تحقيقاً للحبّ في الله ، والبغض في الله ، كما هو ظاهر في قصة الخليل إبراهيم عليه السلام ، وهو أظهر في سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
ومنها: أن الحبّ في الله والبغض في الله له لوازم ومقتضيات ، فلازم الحب في الله: الولاء ، ولازم البغض في الله: البراء ، فالحب والبغض أمر باطن في القلب ، والولاء والبراء أمر ظاهر كالنصح للمسلمين ونصرتهم والذب عنهم ومواساتهم ، والهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ، وترك التشبه بالكفار ، ومخالفتهم ، وعدم الركون والثقة بهم ، فإذا انتفى اللازم - الولاء والبراء - انتفى الملزوم - الحب والبغض - هذا التلازم بين الحب والبغض ، وبين الولاء والبراء يتسق مع التلازم بين الظاهر والباطن في الإيمان .
ومنها: أن الحب في الله والبغض في الله من أعظم أسباب إظهار دين الإسلام ، وكف أذى المشركين ، بل إن تحقيقه سبب في إسلام الكافرين ، وهاك بعض الأحداث التي تقرر ذلك ، فقد ساق شيخ الإسلام ابن تيمية جملة مما ذكره الواقدي في معازيه وغيره .
فمن ذلك أن اليهود خافت وذلت من يوم قتل رئيسهم كعب بن الأشراف على يد محمد بن مسلمة - رضي الله عنه - [1]
ويقول شيخ الإسلام: ( وكان عدد من المشركين يكفون عن أشياء مما يؤذي المسلمين خشية هجاء حسان بن ثابت ، حتى إن كعب بن الأشراف لما ذهب إلى مكة كان كلما نزل عند أهل بيت هجاهم حسان بقصيدة ، فيخرجونه من عندهم ، حتى لم يبق بمكة من يؤويه ) [2]
ولما قتل مُحيَّصة - رضي الله عنه - ذلك اليهودي فزجره أخوه حويصة ، قال مُحيَّصة: ( والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربتُ عنقك فقال حويصة: والله إن ديناً بلغ منك هذا لعَجَبُ ن ثم أسلم حويصة ) [3]
ولعل هذه الرسالة المختصرة تحقق شيئاً من هذا الأصل الكبير عموماً ، وتظهر جملة من المسائل المذكورة خصوصاً ، وبالله التوفيق .
المبحث الأول
أهمية الموضوع
قال المصطفى- صلى الله عليه وسلم -: (( أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله ) )وفي حديث آخر قال- صلى الله عليه وسلم -: (( من أحق في الله وأبغض في الله وأعطى لله ومنع لله ؛ فقد استكمل الإيمان ) ) [4] إذاً الحب في الله والبغض في الله ليس إيماناً فحسب ، بل هو آكد وأوثق عُرى الإيمان ، فحري بنا أن نحرص على هذا الأمر .
كان- صلى الله عليه وسلم - يبايع على هذا الأمر العظيم ، فقد جاء عن جرير بن عبد الله البجلي- رضي الله عنه- أنه قال: أتيت النبي- صلى الله عليه وسلم - وهو يبايع فقلت: يا رسول الله ، أبسط يدك حتى أبايعك ، واشترط علىّ وأنت أعلم . فقال: (( أبايعك على أن تعبد الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتُناصح المسلمين ، وتفارق المشركين ) ) [5] .
هذا هو الشاهد ، فهو- صلى الله عليه وسلم - بايع جرير بن عبد الله على أن يناصح المسلمين وهذا هو الحب في الله ، ويفارق المشركين وهذا هو البغض في الله , تفارق المشركين بقلبك وقالبك . بقلبك بأن تبغضهم وتعاديهم كما سيأتي مفصلاً إن شاء الله ، وتفارقهم بجسدك كما سيأتي الإشارة إلى الهجرة وهي الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام إذا لم يكن الشخص مستطيعاً أن يظهر دينه في بلاد الكفر وكان قادراً على الهجرة ؛ فإذا اجتمع الأمران تعيّن عليه الهجرة والانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام .
جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- لما سأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن آيات الإسلام ، فقال الرسول- صلى الله عليه وسلم -: (( أن تقول أسلمت وجهي لله عز وجل وتخليت، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ثم قال:"كل مسلم على مسلم حرام أخوان نصيران ، لا يقبل الله عز وجل من مشرك بعد ما أسلم عملاً أو يفارق المشركين إلى المسلمين ) ) [6] "