فتأمل رحمك الله كيف أنه صلى الله عليه جعل ذلك شرطاً في قبول العمل ، ولا شك أن هذا مقتضٍ البغض في الله لأعداء الله عز وجل من الكافرين والمرتدين . قال شيخ العلامة سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله عليهم-: ( فهل يتم الدين أو يقام علمُ الجهاد أو علمُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في الله والبغض في الله ، والمعاداة في الله والموالاة في الله ، ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ومحبة من غيرعداوة ولا بغضاء لم يكن فرقاناً بين الحق والباطل ، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ) [7]
الحب في الله والبغض في الله من مكملات حب الله عز وجل وحب الرسو صلى الله عليه وسلم فإن حب الله وحب الرسول من أعظم الفرائض والواجبات وآكدها ، وفي المقابل فإن بغض رسوله أو بغض شيء مما جاء عن الله أو صحّ عن رسول الله فهو من أنواع الردة والخروج عن الملة .
الناظر إلى واقع المسلمين الآن يجد أنهم قد ضيّعوا هذا الأصل ، فربما كان الحب من أجل شهوات فيتحابون من أجل المال ، ويتباغضون من أجل المال ، ويتحابون من أجل القبيلة والعشيرة ويتباغضون من أجلها ، فإذا كان الشخص من قبيلتهم أحبوه ولو كان كافراً ولو كان تاركاً للصلاة مثلاً ، والشخص يبغضونه إن لم يكن منهم أو من عشيرتهم ولو كان أفضل الناس صلاحاً و تقي ، وربما حصل الحب من أجل وطن أو من أجل قومية ، وكل ذلك لا يجدي على أهله شيئاً ، ولا تنفع هذه الصلاة وتلك المودات ؛ فلا يُبتغى بها وجه الله ولا قيمة لها عند الله .
وقد أشار إلى هذا ابن عباس حبر هذه الأمة وترجمان القرآن فيما معناه: ["من أحب في الله وأبغض في الله ، ووالى في الله وعادى في الله ؛ فإنما تُنال ولاية الله بذلك"] أي إذا أردت أن تكون ولياً من أولياء الله عليك بهذا الأمر .
ثم قال ابن عباس:["ولن تجد أحدٌ طعمَ الإيمان إلا بذلك ، وقد صارت عامة"
مؤاخاة الناس لأجل الدنيا ، وذلك لا يُجدي على أهله شيئاً"]وصدق- رضي الله عنه- ،فهذا في كتاب الله عز وجل ، قال تعالى: (( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ) ) (البقرة:166) ."
قال ابن عباس ومجاهد: ( المراد بالأسباب هنا: المودات والصلات التي ليست لأجل الله تعالى ) ز
لماذا ؟ لأن الحب في الله والبغض في الله يراد به وجه الله ،والله تعالى هو الباقي سبحانه الدائم ، فلهذا ما كان لله يبقى ، أما ما لم يكن لله فهو يضمحل، فالشخص الذي يحب آخر من أجل الدنيا هذه الرابطة تنتهي وتفني وتتقطع وتجد أن هؤلاء يتعادون .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: ( والناس إذا تعاونوا على الإثم والعدوان أبغض بعضهم بعضاً، وإن كانوا فعلوا بتراضيهم ) .
قال طاووس: ( ما اجتمع رجلان على غير ذات الله إلاَّ تفرقا عن تقال، إلى أن قال: فالمخالة إذا كانت على غير مصلحة الاثنين كانت عاقبتها عداوة ، وإنما تكون على مصلحتها إذا كانت في ذات الله ) [8] .
وهذا واقع ؛ فنجد الذين يجتمعون على شر أو فساد - مثلاً - سرعان ما يتعادون وربما فضح بعضهم الآخر .
قال أبو الوفاء بن عقيل ( 513هـ ) رحمه الله: ( إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك ، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة ) .
ثم قال رحمه الله: (عاش ابن الراوندي والمعري عليهم لعائن الله ينظمون وينثرون كفراً ، عاشوا سنين وعُظمت قبورهم واشترت تصانيفهم ، وهذا يدل على برودة الدين في القلب ) .
والآن أيها الإخوة تجدون كثيراً من المجلات والصحف والمؤلفات الساقطة التي تحارب دين الله عز وجل ؛ ومع ذلك ترى الكثير من أهل الصلاة قد انكبوا على شرائها أو الاشتراك فيها .
نحن في زمان حصل فيه تلبيس وقلب للمفاهيم ؛ فتجد بعض الناس إذا تحدث عن الحب في الله والبغض في الله قال: هذا يؤدي إلى نفرة الناس ، يؤدي إلى كراهية الناس لدين الله عز وجل .
وهذا الفهم مصيبة ، فالناس يقون في المداهنة والتنازلات في دين الله عز وجل باسم السماحة ، ولا شك أن هذا من التلبيس، فالحب في الله والبغض في الله ينبغي أن يتحقق ، وينبغي أن يكون ظاهراً ؛ لأن هذا أمر فرضه الله علينا ، ولهذا يقول ابن القيم- رحمه الله- عن مكائد النفس الأمارة بالسوء: ["إنَّ النفس الأمارة بالسوء تُرى صاحبها صورة الصدق وجهاد من خرج عن دينه وأمره في قالب الانتصاب لعداوة الخلق وأذاهم وحربهم ، وأنه يعرض نفسه للبلاء ما لا يطيق ، وأنه يصير غرضاً لسهام الطاعنين وأمثال ذلك من الشبه"] [9]