"تتحدث السياسات والأفكار الأمريكية المطروحة على الساحة العربية من خلال الإعلام وعبر أبواق الولايات المتحدة عن المساواة وحقوق المواطنة والعلمانية وفصل الدين عن الدولة وما شابه ولكن الممارسة الأمريكية الفعلية في واقع الأوضاع السياسية في الوطن العربي تكذب هذا الزعم وتشير إلى أن أمريكا تنطلق في هذه الممارسات من موقف يكرّس الطائفية والمذهبية والعنصرية في أشد صورها تخلفاً."
كما تكشف هذه الممارسات عن أن أمريكا توجّه دعاوى العلمنة ونبذ الدين إلى الأغلبيات الإسلامية وحدها بينما تتوجه إلى الأقليات الدينية غير المسلمة بفكر التكتل الطائفي والحشو والتعبئة والتعبير عن الهوية وفق أسس دينية محضة تتمحور حولها ذاتية وكيان تلك الطوائف وصولاً بعد ذلك إلى هدف الاستقلال والانفصال والانعزال عن الوطن الواحد إسلامي الهوية.
وقد ترنحت هذه السياسة المتناقضة التي تمثل أحد أبرز جوانب ما أصبح يعرف بازدواجية المعايير في المواقف الأمريكية إلى حد أنها وصلت في العراق إلى تقسيم المسلمين إلى طائفتين أو ديانتين متصارعتين هما السنّة والشيعة وذلك عندما لم تجد أقليات مسيحية ذات وزن عددي يسمح بإجراء لعبة الطائفية معها كما لم تجد أي ديانات أخرى بنفس الغرض.
ويدل هذا على أن الاعتماد على القسمة الطائفية كأساس لتحقيق أهداف السياسة الأمريكية قد أصبح أمراً أصيلاً عند ساسة الولايات المتحدة وصانعي قرارها.
وهكذا وبين يوم وليلة كما خُيّل للناس وجدنا القيادات والمراجع الشيعية المشهورة وذات الأتباع تتحدث وتتصرف كما لو كانت تمثل ديناً مستقلاً عن الإسلام وهو دين يبحث عن الاستقلال وتحقيق الكيان بمعزل عن باقي أهل العراق من السنّة عرباً أو أكراداً، واستمراراً لمخطط التأصيل الطائفي الذي تزكيه أمريكا وجدنا في العراق نمطاً شاذاً من أنماط التقسيم يضاف إلى نمط التقسيم الطائفي ألا وهو التقسيم العرقي الذي يسري على أبناء طائفة دينية معينة ليزيد من إضعافهم. بينما لا يسرى على أبناء الطائفة الأخرى بل يسري العكس منه تماماً فلكي يتحول السنّة في العراق إلى أقلية، بالغ في الإقلال من حجمها وفرض عليها وداخلها وحدها التقسيم بين عرب وأكراد وهو تقسيم قائم على أسس لغوية وعرقية وجغرافية وبالتالي تحول الحديث إلى الأكراد كأمة قائمة بمفردها وأساس هويتها هو القومية العرقية واللغوية، وليس الدين أو المذهب [السنّي] أما أهل السنة [العرب] من العراقيين فقد تحولوا إلى كيان يتم تحديد هويته ليس على أساس القومية اللغوية أو القبلية الطابع وإنما على أساس المذهب الذي تحول في عرف الدعاية الأمريكية إلى ما يشبه الدين القائم بذاته وليس إلى المذهب الفقهي الأكثر شيوعاً بين المسلمين.
وبهذا التحديد التعسفي للعرب السنّة [بعد فصل الأكراد السنّة عنهم على الأساس والأرضية القومية] تحول هؤلاء إلى أقلية ضئيلة يقدرونها بحوالي 20% من سكان العراق ويزيد من تقليل أعدادهم أنهم عزلوا عن سائر عرب العراق [من الشيعة] وهم يشكلون على أساس هذا التعريف القومي [العروبة] الأغلبية الكبرى والساحقة من العراقيين.
وعلى الجانب الآخر فإن تعريف الشيعة أو تحديد هويتهم على أساس ديني / مذهبي / طائفي بحت لم يدخل معه ـ كما في حالة السنّة ـ تقسيماً عرقياً قومياً آخر يؤدي إلى تفتيته. وبالتالي فلم يشر أحد إلى انقسام الشيعة في العراق بين ذوي الأصول العربية وهم الكثرة الساحقة وذوي الأصول الفارسية وهم أقلية ضئيلة، وحدث العكس تماماً حيث جرت عملية إدخال أعداد كثيفة للغاية من العرب [الإيرانيو الجنسية والقومية واللغة] إلى العراق لكي يدخلوا ضمن أعداد الشيعة العراقيين ويكثروا من هذه الأعداد. وفي هذه الحالة ومع الرغبة ذات الطابع الطائفي في إظهار الشيعة كدين يدين به الغالبية الساحقة من شعب العراق جرى التغاضي عن الانقسام العرقي أو القومي هذا داخل صفوف الشيعة بينما لم يجر التغاضي عن الانقسام القومي داخل الصف السنّي [عرب/ أكراد] لأن النية مبيّتة لإضعاف كيانهم والإيحاء بأنهم في هيئة العرب السنة ليسوا سوى أقلية ضئيلة فرضت نفسها بالقوة والقهر على سائر العراقيين [الشيعة والأكراد والأقليات الدينية الضئيلة الأخرى] وقد حان أوان إعادتهم إلى حجمهم الحقيقي وتسليم الحكم والسلطة والثروة إلى الأغلبية الحقيقية.
إن هذا التوجه الطائفي الواضح هو الذي يحكم السياسة أو الإستراتيجية الأمريكية في العراق بل وفي المنطقة كلها"."
[ انظر: أمريكا والطائفية ، د. محمد يحيى ، موقع مفكرة الاسلام ، تقارير رئيسية ، 26 نوفمبر 2005 م] .
لماذا فشلت أمريكا بإثارة الحرب الأهلية في العراق ؟