فهرس الكتاب

الصفحة 6294 من 27364

د.عدنان علي رضا النحوي 4/7/1424

لقد اختلطت المصطلحات في واقعنا اليوم ، واختلطت دلالاتها ، وزاد الأمر سوءاً ما طرحته الحداثة والعلمانيّة ومذاهبها من مصطلحات ومواقف غذّاها الإعلام كثيراً ، وبخاصة الإعلام الغربي بأشكاله المتعددة ووسائله المتنوعة ، حتى بدا كأنه طوفان ! .

ظهرت مصطلحات: الأَصالة ، المعاصرة ، التقليد ، التجديد ، التطور ، النمو ، وغير ذلك من المصطلحات التي ظلّت"عائمة"لا تحمل معنى محدَّداً ، أو تحمل معاني مختلفة ، كل معنى يمثِّل طائفة ، يدور بيْنها الصراع .

منذ القرن التاسع عشر أخذت تظهر بوادر هذا الغزو . ونشأت طائفة تدعو إلى تبعيّة كاملة للغرب: فكراً وسلوكاً وعادات ، أدباً واقتصاداً وسياسة . وظهر ذلك في مرحلة كان المسلمون فيها ضعفاء ، فأثر الغزو فيهم تأثيراً كبيراً ، وظلّت المصطلحات تتردّد في تناقضاتها أو تغيب عائمة دون وضوح.

ما المقصود بالتقليد ؟ ! وإذا كان هناك تقليد فتقليد مَنْ ؟ ! وما المقصود بالتجديد ؟ ! وإذا كان هناك تجديد فما نهجه ؟ ! وما ميدان التقليد والتجديد ؟ ! هل هو محصور في شكل القصيدة العربيّة ؟ ! هل هو في ميدان الشعر فحسب ؟ ! هل هو في ميدان الأدب كله ؟ ! هل هو في الفكر كله وفي السعي والعمل ؟ ! وما ميزان ذلك ؟

العالم انطلق في أجواء الفضاء يشقُّها ، ورمى بيننا ما يشغلنا عن حقيقة النمو والتطور والتجديد . شُغِلنا قرابة قرنين بمثل هذه القضايا حتى أصبح التجديد يعني"التبعيّة العمياء"للغرب في قضايا لا تبني مستقبل الأمة . كلُّ الصراخ والدويّ من أجل اتباع الغرب أورثنا نماذج الملابس وقشور الفكر واضطراب الرؤية . والعجيب العجيب أننا لم نحرص على أن يكون التجديد هو إعداد القوة ونمو الصناعة وامتلاك أسبابها ، حتى ظل العالم الإسلامي بصورته العامة واهياً متخلفاً لم يسعفه شكل القصيدة ، ولا ما يسمى بالشعر الحرّ ، ولا التفعيلة ، وإنما زادت الخلافات حول هذه القضايا ، وبقى المسلمون في وهن وهزائم وخذلان !

قبل أن نحدّد موقف الأديب أو الشاعر أو المفكر من التجديد أو التقليد يجب أن نحدّد ما المقصود بالتجديد والتقليد ، وأن نحدّد ميزان ذلك ومراجعه .

أهل الحداثة اتّبعوا مذاهب الغرب العلمانيّ وحداثته ، واعتبروا ذلك هو التجديد . اتبعوه في تبعيّة عمياء ، حتى في ما يخالف الإسلام صراحة . وحاربوا كل قديم في أمتنا بنصوص صريحة ، ومن بينها الدين واللغة ! وأعلن بعضهم كلمة الكفر صريحة مدوّيّة . ولكنهم استثنوا من القديم كله أساطير اليونان وخرافاته التي ظلت تمثل محوراً في أدبهم وفكرهم ، وفي الفكر الغربي العلماني .

ولقد أثر هذا الاتجاه في واقعنا ، حتى أصبح بيننا من يدّعي محاربة الحداثة ولكنه في حقيقة أمره تابع لها ناشر لمذاهبها .

ولا أدلّ على ذلك مما يسمى بالشعر الحرّ ، الذي وفد إلينا من الغرب ، من العلمانيّة ـ من الحداثة ، مصطلحاً وشكلاً وأسلوباً . وظل الحداثيون يدعون إليه بإصرار ، حتى تبنّاه بعض الشعراء دون توافر حجّة من علم أو دين أو مصلحة .

لا شكّ أن هؤلاء ليسوا بمجدّدين ولكنهم مقلّدون ، قلّدوا الحداثة ، قلّدوا العلمانيّة ، قلّدوا الغرب الذي يدّعون محاربته ، ثم يتبنّون أفكاره ومذاهبه . أخذوا عن الغرب القشور وأسوأ ما لديه ، أخذوا عنه ما نحن لسنا بحاجة إليه ، وما لا يزيدنا قوّة وعزيمة ، ولا يسدُّ فراغاً في واقعنا . ولم يأخذوا العلم الذي نحن بحاجة إليه ، ولا الصناعة ، ولا السلاح ، وبقينا عالة على الغرب العلماني الحداثي في أخطر ما يحتاجه الإنسان ، ولم يُقدِّم لنا ما يسمّى بالشعر الحرّ ولا شكل القصيدة أيّ إسعاف . وظل هذا الحال منذ قرنين حتى يومنا هذا والغرب يفرك يديه فرحاً بنجاحه بإشغالنا بقشور الحياة ، وصَرْفِنا عن أسباب القوة والعزيمة ، والنهوض والوثوب ، والإفاقة واليقظة ، وكأنه صبّ في عروقنا خدراً انساب وتسلّل ، وأخذنا غفوة طويلة بين دوىّ الأحلام ، وهتافات الغيبوبة . لقد وضحْتُ رأيي في ذلك كله بصورة جلية في دراسات متعددة منها: المسلمون بين العلمانيَّة وحقوق الإنسان الوضعية ، الحداثة في منظور إيماني ، تقويم نظرية الحداثة ، الأسلوب والأسلوبية بين العلمانيّة والأدب الملتزم بالإسلام ، الشعر المتفلّت بين النثر والتفعيلة وخطره ، الأدب الإسلامي إنسانيته وعالميته ، النقد الأدبي المعاصر بين الهدم والبناء . وكتب أخرى .

الذين يُسمَّون بالمجدّدين اليوم هم في الحقيقة يمثلون أسوأ أنواع"التقليد الأعمى"هم قلّدوا الغرب في شكل القصيدة وما جدّدوا من أنفسهم شيئاً ، حتى إنهم سطوا على المصْطَلحات والمعاني وادّعوها لأنفسهم ، وكما يقول د . المسدي ما معناه: لو قام أصحاب الحداثة الغربية من قبورهم ورأوا كيف أنهم فقدوا حق"الريادة"حين نُسبت إلى غيرهم ، لأسفوا وغضبوا لذلك !

كل مظاهر التجديد التي يتغنى بها الكثيرون في واقعنا اليوم هي"تقليد أعمى"وتبعيّة عمياء لم تعطِ الأمّة أي خير ولم توفّر لها أيّ قوة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت