فهرس الكتاب

الصفحة 6295 من 27364

من المؤسف حقّاً أن نرى التجديد محصوراً في شكل القصيدة ، وأن نرى أن أسس لغتنا وأدبنا الثابتة أصبح اتباعها يسمى تقليداً سيِّئاً .

هذه كلمات تمهيديّة سريعة لابد منها قبل طرح التصور للقضايا موضع البحث .

أومن أن الجهد البشري يجب أن يكون نامياً في الحياة الدنيا ، متطوراً مع الحياة وأحداثها . وأومن أن النمو والتطور يجب أن يكونا قائمين على أسس ثابتة راسخة وجذور عميقة لا يمسها التحوير ولا التحريف . ذلك لأن هذه الأسس هي مصدر القوّة لكل نمو ، وهي النبع الفياض الذي يظلّ يروي كل عطاء نامٍ متطور . [ تقويم نظرية الحداثة: الباب الثالث الفصل الرابع ] .إن الأمة التي لا أسس راسخة لها تظل تتيه في عواصف وظلمات وزخارف ، لا تقدّم للبشرية إلا الفتنة بعد الفتنة والفساد بعد الفساد والظلم بعد الظلم والفجور بعد الفجور .

"التجديد"يجب أن يكون ذاتيّاً ، نابعاً من جوهر الأمة ورسالتها ونهجها . التجديد يجب أن يهب الأمة قوة وعزيمة ، ويسدّ حاجة أساسية في نموها"التجديد"يجب أن يكون له هدف واضح . وبالنسبة لنا نحن المسلمين يجب أن يكون الهدف ربانيّاً ، لأننا أمة تحمل رسالة أُمرتْ أن تبلّغها للناس كافة .

"التجديد"يستفيد من التجارب البشريّة بما يدخل في حاجة الأمة ليزيدها قوة وعزيمة وعزة ، لا ليشغلها عن عظائم الأمور ، ويرميها بسفسافها.

وأضرب مثلاً لمفهومين مختلفين للتجديد والنمو والتطور . فلو نظرنا إِلى شجرة طبيعيّة تحمل الورد الذي يتجدَّد مع الأيام في موسمه ، فالورد ينمو من الشجرة نفسها ، من جذورها وأَغصانها وأوراقها ، ومن تربتها وريّها ، وما تلقاه من جهد وعناية . هذه العوامل كلها تعمل لتخرج الوردة في أجمل صورها آية من آيات الله . أفنقول عن هذه الوردة ومثيلاتها إنها شيء قديم ، إنه تقليد ، نريد أن نبحث عن جديد ؟ ! نعم ! هذا ما اتجهت إِليه مذاهب الحداثة . فهذا"مايا كوفسكي"زعيم الحركة المستقبلية يدعو الشمس لتنزل إليه وتشرب معه كوباً من الشاي ، كل ذلك كي يعيق شروقها وغروبها الأبديين.

كلما تفتّحت الوردة على شجرتها كان ذلك تجديداً ، يبعث الجمال بأحلى صورة على سنن الله الثابتة ، تتجدد الحياة معها . وانظر إلى هذه الصورة الرائعة يعرضها لنا كتاب الله ليبيّن لنا كيف تتجدّد الحياة وكيف يكون التجديد: (..وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزّت وربَت وأنبتت من كل زوج بهيج) [الحج:5]

هذه الوردة الطبيعية ، لا تمثل التقليد كلما طلعت ، وإنما تمثل التجديد بأعظم صوره ، آيةً من آيات الله . فلو جاء أحدهم وقطع الوردة وألصق مكانها وردة صناعية بعد أن غير تنسيق أوراقها وغيَّر عددها حتى ذهب جمالها الأصلي ، أفنقول إِن هذا تجديد ؟!

فشعر التفعيلة أَشبه بهذه الوردة التي تَغَيَّر عدد أوراقها كما تَغَيَّر عدد التفعيلات ، وتَغَيَّر تنسيقها ، وذَهب عبقها الأصلي ، كما ذهب في شعر التفعيلة النغمة العبقريّة التي بنتها آلاف السنين.

أفتكون هذه الوردة المصطنعة تجديداً،والوردة التي أنبتها الله تقليداً وشيئاً قديماً ؟ !

إن الشعر العربيّ نما بصورة طبيعية خلال آلاف السنين ، ترعاه سنن الله في الحياة كما ترعى اللغة العربيّة بجميع خصائصها ، حتى إذا نزل بها الوحي الكريم كانت قد اكتمل نضجها وبناؤها ونسيجها ، وثبتت جميع خصائصها نثراً وشعراً ، حتى يتيسّر للناس تدبُّر منهاج الله في جميع الأجيال وجميع العصور ، وحتى يتيسّر للعلماء اكتشاف خصائصها الثابتة من نحو وصرف ، وبلاغة وبيان ، وعروض وبحور.

وكيف يكون اتباع هذه الخصائص في اللغة العربية تقليداً ، واتباع الغرب العلماني تجديداً . إن التفعيلة والنثر تقليد لا إبداع فيه ، وتبعيّة لا تجديد فيها.

ولو أجزنا العدوان على الأوزان والقوافي تحت شعار التجديد ، لجاز عندئذ عند بعضهم المطالبة بتغيير أسس البلاغة والبيان كذلك . وهذا ما تطلبه الحداثة ، ولجاز كذلك المطالبة بتغيير قواعد النحو والصرف والأحرف والكتابة ، وهذا ما تسعى إِليه الحداثة ، وما يسعى إليه كثيرون بإلحاح.

إِنّ النصّ الأدبي حين يتولّد في فطرة الأديب المسلم بتفاعل القوى المغروسة في الفطرة حسب ما توضحه"نظرية تولد النصّ الأدبي"وحسب"قانون الفطرة (1) التي تخرج منه هذه النظرية ، حين يتولد النصّ على هذا النحو لا يمكن أن يكون فيه تقليد . كل نصّ يخرج عندئذ كما تخرج الوردة على شجرتها."

الشاعر المسلم الذي ينشأ بين الكتاب والسنة واللغة العربيّة ، الشاعر الذي وهبه الله موهبة الشعر لتطلق التفاعل في فطرته ، تكون كل قصيدة عطاءً جديداً ، يظل يتجدَّد كما تتجدّد الوردة والزهرة والثمرة . فكيف يكون تقليداً ؟ !

"التقليد"تعبير عن عطاء جاف ميّت لا حياة فيه ولا يتجدّد ."التقليد"تعبير عن عطاء لا موهبة فيه ، ولا يكون ثمرة تفاعل في ذات الشاعر أو الأديب.

قانون"الفطرة ونظريَّة تولّد النصّ الأدبي"يقومان على الآيات البينات والأحاديث الشريفة التي تبيّن لنا أن كلّ إنسان يولد على الفطرة ، وأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجسانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت