فهرس الكتاب

الصفحة 6296 من 27364

وقد غرس الله برحمته وحكمته ميولاً وغرائز وقوى في الفطرة . وأهم هذه القوى"الإيمان والتوحيد"، وكأنّ هذه القوة تمثل النبع الصافي الذي يروي سائر القوى ريّاً متوازناً حتى تقوم كل قوة أو ميل أو غريزة بالمهمة التي خلقها الله لها . فإن لم يتمّ الريّ المتوازن بسبب الآثام ، أوإذا انقطع بسبب ذلك ، فلا تقوم هذه القوى بمهمتها . ومن ناحية أخرى فإن هذا النبع الصافي للإيمان والتوحيد يقوم بتصفية ما يدخل الفطرة من زاد الواقع الخارجي ، من علوم وخبرة وغير ذلك ، حتى يظل هذا الزاد في فطرة المؤمن نقياً . والنيّة الخالصة لله هي التي تفتح نبع الإيمان والتوحيد ليروى القوى والميول والغرائز بالريّ المتوازن . ومن القوى في الفطرة قوتان كأنهما قطبان هامّان هما: الفكر والتفكير ، والعاطفة والشعور . وعليهما تستقرّ شحنات الزاد من الواقع ، كما تستقرّ الشحنات على قطبين مغناطيسيين . وتنمو هذه الشحنات مع نموّ زاد الواقع ، حتى تأتي لحظة يحدِّدها قدر الله ، تصبح الشحنات على القطبين قابلة للتفاعل ، فتأتي الموهبة التي يضعها الله فيمن يشاء من عباده ، فتشعل التفاعل ، وينطلق العطاء شعلة حيّة غنية على قدر صفاء الإيمان والتوحيد وإخلاص النية ، وعلى قدر الزاد الذي يكوِّن الشحنات ونوعه ومادته.

إن العطاء الذي يخرج من هذا التفاعل في ذات الإنسان لا يمكن أن يكون تقليداً ، لأنه غنيّ بالحياة التي تتجدّد مع كلّ عطاء. إنه التجديد الممتد والإبداع الغني على قدر غِنى العوامل التي ولدته: الإيمان والتوحيد ، النيّة ، التفكير ، العاطفة ، زاد الواقع وأهمه منهاج الله ، الموهبة.

ولو أخذنا قصائد الشعراء المجيدين المبدعين قديماً وحديثاً ، ممن تخرج قصائدهم محافظة على الوزن والقافية ، لوجدنا أنّ كل قصيدة موضوع جديد ، وصورة جديدة ، وحركة جديدة ، إنها شيء جديد زادها الوزن والقافية لألأة وجمالاً ولذلك جاءت قصيدتي:

لآلئ الشعر أوزان وقافية

التقليد مهمّة من لا يملك عناصر العطاء المتجدِّد ، العناصر التي تولّد عطاءه وتطلقه من ذاته ، نابعاً من ثوابت عناصره وزاده ، من جذور عميقة في الفطرة ، لا يشوّهها ولا يحرفها . المقلّد هو من لا يملك إلا أن يبحث عن هذا وذاك ليقلّده ، أو عمّن يظنهم الأقوياء فيخدع بهم حتى يكتشف أنهم المنحرفون الضالون المجرمون ، فيُشغَل بقشورهم وزخرفهم الكاذب ، ويخفون عنه جوهر القوة وحقيقة الإِبداع. (1) -"الأدب الإسلامي إنسانيته وعالميته": الباب الثاني ـ الفصل الأول."النهج الإيماني للتفكير"الباب الرابع ـ الفصل الثاني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت