فهرس الكتاب

الصفحة 8271 من 27364

الرباط/ إدريس الكنبوري 19/10/1425

الزيارة الخاطفة التي قام بها الرئيس الفرنسي جاك شيراك لليبيا يوم الأربعاء 24 نوفمبر، في طريقه إلى بوركينا فاسو للمشاركة في القمة العاشرة للفرانكوفونية، تكتسب أهمية كبيرة في السياسة المغاربية لفرنسا وتُعَد منعطفاً بارزاً في العلاقات المغاربية ـ الفرنسية خلال العقود الأربعة الماضية، وتتخذ دلالات عدة بالنسب لمستقبل هذه العلاقات وبالنسبة لمنطقة المغرب العربي عموماً.

فهذه الزيارة تُعد الأولى من نوعها لرئيس فرنسي منذ انقلاب 1969م في ليبيا وبداية عهد العقيد الليبي معمر القدافي، وهي الأولى أيضا لمسؤول فرنسي منذ استقلال ليبيا عن الاستعمار الإيطالي عام 1951م، ومن المؤكد أنها ستضع حداً للقطيعة التي استمرت طويلاً بين البلدين وجعلت فرنسا لا تتحدث في سياستها المغاربية سوى عن أربع دول هي المغرب وتونس والجزائر وموريتانيا إلى حد ما، دون المراهنة على أي امتداد لهذه السياسة في ليبيا.

للتقارب ثمن

مثل هذه الزيارة لم تكن واردة دون أن يقدم النظام الليبي مؤشرات تدل على اعتداله واستعداده للتقارب مع القوى الأوروبية في السنة الماضية، مما مكنه من العودة إلى الساحة الدولية بعد مرحلة طويلة من المناكفة وشدّ الحبل، فبعد غزو العراق أعلن النظام الليبي تخليه عن برامج التسلح النووي طواعية، بعد عدة أشهر من المفاوضات السرية مع واشنطن ولندن تُوِّجت بإعلان بريطانيا عن الخطوة الليبية. وقد خلفت طريقة الإعلان عن تلك المبادرة ـ حيث إنها تمت من طرف لندن وليس طرابلس- والمفاوضات السرية مع بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية دون إشراك فرنسا- استياء واسعا لدى المسؤولين الفرنسيين الذين رأوا في ذلك نوعاً من النية المبيتة في استبعاد أي دور فرنسي في مبادرة كبرى من هذا النوع، وفي منطقة ظلت تعد على الدوام مربعاً استراتيجياً فرنسياً بامتياز، بالنظر إلى ماضيها الاستعماري الطويل. ثم جاءت خطوة التعويض الليبي لضحايا طائرة لوكربي لتزيد من غضب الفرنسيين، فاختارت فرنسا الدخول في مساومة مع النظام الليبي ومطالبته بتعويض ضحايا طائرة"يوتا"الفرنسية التي أسقطتها المصالح الليبية فوق سماء النيجر عام 1989م، ردا على التدخل العسكري الفرنسي في التشاد وطرد القوات الليبية منها، وقبلت ليبيا بعد مفاوضات صعبة دفع (170) مليون دولار لعائلات الضحايا الفرنسيين، مما أدى إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات الفرنسية ـ الليبية.

وقد مهدت تلك الانفراجة، وإعلان النظام الليبي تخليه عن"الإرهاب"واعترافه بالممارسات الماضية علناً وتغيير الخطاب الراديكالي لدى المسؤولين الليبيين مهدت لعودة ليبيا إلى المسرح الدولي وشطب اسمها من اللوائح السنوية التي تعدها الإدارة الأمريكية عن الدول الراعية للإرهاب، ورفع الحصار الاقتصادي والحظر على استيراد الأسلحة اللذين كانا مفروضين عليها في السنوات الماضية، وبدأت طرابلس تستقبل المسؤولين الأوروبيين، حيث قام بزيارتها خلال الشهور الماضية كل من رئيسي الوزراء البريطاني طوني بلير، والإيطالي سيرجيو برلسكوني والمستشار الألماني جرهارد شرودر، وأخيراً الرئيس الفرنسي شيراك.

الرهان على النفط الليبي

مقارنة مع المغرب وتونس والجزائر التي تُعد من الزبائن الأكبر لفرنسا في المغرب العربي، تكاد المبادلات التجارية والاقتصادية بين ليبيا وفرنسا لا تمثل حجما قابلا للقياس، ذلك أن الواردات الفرنسية من ليبيا ـ والتي تقتصر أساساً على البترول ـ لا تزيد عن 800 مليون أورو، وهي قيمة أقل بكثير من قيمة مشتريات فرنسا من البترول الجزائري مثلا، بينما لا تتجاوز صادراتها إلى السوق الليبية 300 مليون أورو.

وتراهن فرنسا من خلال استئناف تطبيع علاقاتها مع ليبيا على الرفع من حجم المبادلات التجارية والاقتصادية الثنائية وإيجاد موقع لها في قطاع النفط الليبي، خاصة وأن هذا الأخير أصبح يثير شهية عدد من الشركات الأمريكية والبريطانية بعد التحول السياسي الليبي؛ إذ يقدر الاحتياطي الليبي من النفط بنحو 30 مليار برميل، وأعلنت طرابلس قبل أشهر أنها ستضاعف من إنتاجها ثلاث مرات في أفق عام 2010.

منافسة فرنسية ـ أمريكية على المنطقة

لكن إلى جانب الهاجس الاقتصادي والتجاري، تدرك فرنسا أنها دخلت مع واشنطن في منافسة محمومة على النفط في المنطقة المغاربية، خاصة وأنها تعي جيداً أنّ الانفراج في علاقاتها مع الجماهيرية لم يكن ممكناً قبل أن ترفع واشنطن اسم ليبيا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب وتصدر"تبرئة ذمة"في حقها، وهو ما دفع أحد المعلقين الفرنسيين إلى القول بأن فرنسا لا تزال ضحية الولايات المتحدة الأمريكية التي تحدد هي أي الدول من"محور الشر"وأي الدول من خارجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت