فهرس الكتاب

الصفحة 8272 من 27364

بداية التطبيع الفرنسي ـ الليبي تأتي في سياق تطورات سياسية واستراتيجية ضخمة تمر منها منطقة المغرب العربي، وتنهض كمؤشر على انطلاق الصراع بين باريس وواشنطن على النفوذ في المنطقة. فخلال الأسابيع القليلة المقبلة سينعقد بالمغرب"منتدى المستقبل"الذي دعت إليه الولايات المتحدة الأمريكية بغرض الدفع بمشروع"الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا"ودمقرطة الأنظمة العربية والإسلامية، وهو عنوان على تمادي النفوذ الأمريكي في المنطقة، وبمثابة تتويج لحربها على العراق التي كانت فرنسا وألمانيا من المعارضين لها، كما أنه ـ أي المنتدى ـ يأتي في سياق التمدّد الأمريكي في المنطقة خلال السنوات الثلاث الماضية، عقب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وخاصة على المستويين الأمني والعسكري، دون إغفال المستوى الاقتصادي والتجاري الذي يتقوى بفعل الدينامية التي فتحها مشروع الشراكة الأمريكية ـ المغاربية المعلن عنها في عام 1998م، وكذا المستوى السياسي المتمثل في التعاطي الأمريكي مع موضوع النزاع حول الصحراء المغربية على حساب أي دور يمكن أن تلعبه فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة في المنطقة.

ويمكن القول بأن الزيارة الخاطفة للرئيس الفرنسي لليبيا، على رغم قصرها، إلا أنها تتخذ طابعاً رمزياً قوياً بالنسبة لسياسة فرنسا المغاربية في هذه المرحلة، تريد من خلالها باريس وهي تحضر القمة العاشرة للمنظمة الدولية للفرانكوفونية في"واغادوغو"ببوركينا فاسو أن توجه رسالة إلى واشنطن، فهذه القمة ستحضرها الجزائر بصفتها عضواً جديداً بالمنظمة منذ استقلال الجزائر عن فرنسا في بداية الستينيات من القرن الماضي، حيث ظلت الجزائر التي تشهد أكبر انتشار للغة الفرنسية في المنطقة تقاطع هذه المنظمة منذ إنشائها إلى عام 2002 عندما حضر الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة القمة التاسعة لها في بيروت، من هنا فإن الرئيس الفرنسي يحضر القمة وفي جعبته مكسبان مهمان في المنطقة: عودة الجزائر إلى حظيرة المنظمة الفرانكوفونية وتطبيع العلاقات مع ليبيا. والرسالة الفرنسية إلى واشنطن تقول: إنه إذا كان"منتدى المستقبل"سيتعرض لإصلاح الأنظمة العربية والإسلامية وفق مشروع جاهز لا يأخذ في الحسبان الاختلافات الثقافية بين بلدان المنطقة، فإن قمة الفرنكوفونية ستعالج التعددية الثقافية وحوار الحضارات. وفي الظاهر يبدو ذلك تشخيصاً لحجم الخلافات الفرنسية ـ الأمريكية، لكنه في العمق يخفي صراعاً استعمارياً على النفوذ في المنطقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت