مازن أبو بكر باحميد
انطلقت الحملة الصليبية ضد الإسلام والتي طالما كانت حلماً لكثير من المسئولين الأمريكيين، ففي كتابه (1999 نصر بلا حرب) دعى الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون الاتحاد السوفيتي إلى التعاون مع الولايات المتحدة لضرب الأصولية الإسلامية المتنامية - على حد قوله -، وكان ذلك في أوج الحرب الباردة؛ لكن تنافر المصالح بين القطبين، والعواصف السياسية للحرب الباردة حالت دون حدوث ذلك.
والآن وفي ظل النظام العالمي الجديد استطاعت الولايات المتحدة تجنيد معظم دول العالم، والانطلاق بها في حملة صليبية ضد الإسلام، يقول عنها قائدها الرئيس الأمريكي إنها:"حملة صليبية"وغير تقليدية، وبأنها غير محدودة بإطار جغرافي.
وقد أبرز الواقع العملي لهذه الحملة أشكالاً مختلفة من أشكال المواجهة، فمن الحروب المباشرة، إلى الحملات الإعلامية ضد الإسلام والمسلمين، إلى محاصرة العمل الخيري، والتدخل في مناهج التعليم، والدعوى إلى حرب العقائد والأفكار، ولعل هذا الأخير هو الأهم في أشكال المواجهة التي تعول الولايات المتحدة عليها لتحقيق أهداف الحملة على المدى الطويل.
وبما أن هذه الحرب هي حرب ضد الإسلام، ولأن ماهية أي دين عبارة عن عقائد وشرائع وأخلاق - أي مجموعة أفكار ومفاهيم -؛ فإن الحرب الحقيقية كما يراها الغرب يجب أن تكون حرباً ضد هذه الأفكار، فالغرب يدرك جيداً أنه أمام خصم لا تكمن قوته في عدته وعتاده، لكن نقطة القوة الوحيدة لهذا الخصم هي هذه المفاهيم والأفكار التي يحملها، والتي تجعله قادراً على التضحية والإقدام وتجاوز كل حالات الإحباط والهزيمة النفسية المفروضة على أمة الإسلام.
والواقع أن تاريخ الحرب الفكرية التي يمارسها الغرب ضد الإسلام يمتد لقرون، وقد تبنى الاستعمار الغربي الكثير من الحملات المنظمة للغزو الفكري ضد الإسلام، وبعد أن آلت زعامة الغرب إلى الولايات المتحدة في منتصف القرن المنصرم فإن الولايات المتحدة لم تغفل عن هذه القضية، وقد شرعت في إجراءات غاية في التعقيد لمحاصرة المد الإسلامي، ولتخفيف الحماس الديني اللاهب لدى المسلمين، فقد أوردت جريدة الأنباء الكويتية قبيل الغزو العراقي بأقل من شهر مقالاً لكاتب صهيوني يتحدث فيه عن خطة كارتر، ويتهم فيه ممارسات إسرائيل بأنها تقوض جميع الإجراءات الأمريكية المتخذة داخل العالم الإسلامي لتخفيف الحماس الديني اللاهب لدى المسلمين على حد قوله.
والذي تغير اليوم هو أن هذه المخططات والإجراءات انتقلت من السر إلى العلن، فقد أصبحت الولايات المتحدة والغرب تتمتع بهامش مناورة كبير، وباتت حركة الولايات المتحدة أكثر حرية في هذا المجال عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فقد أجبرت دول العالم -بالاشتراك معها - في حملة ضد الإسلام، متذرعة بأن الإسلام بات يشكل خطراً محدقاً بالأمن العالمي عموماً وأمنها القومي خصوصاً، محتجة في ذلك بما حدث في نيويورك صباح الحادي عشر من سبتمبر 2001م، وما يحدث هنا وهناك من أعمال تفجير وقتل.
والحديث اليوم عن حرب الأفكار معقد ومتشعب، وبات أكثر حدة وشراسة مما قبل أحداث نيويورك، وبصورة عامة فإن هذه الحرب الفكرية تسير في خطين متوازيين، كل منهما يقوم بدوره في هدم المفاهيم والقيم الإسلامية وهما:
أولاً: معاول هدم من الداخل، وهذا ما يستخدم فيه المداهنون والمنافقون، وأصحاب الفرق الضالة من صوفية ومرجئة ورافضة، ومهمتهم تكمن في استبدال مفاهيم الرسالة المحمدية والعقائد الإسلامية الصحيحة بمفاهيم عصور الانحطاط، وإقناع المسلمين بأن مفاهيم عصور الانحطاط هي المفاهيم الإسلامية الصحيحة، رغبة في تبديل الإسلام وتحريفه كما فعل بولس"شاؤول اليهودي"بدين المسيح - عليه السلام -، وأتذكر هنا كلام للبارون"كارادي فو"حيث يقول:"لنشتت الإسلام، ولنستغل البدع الإسلامية، والطرق الصوفية؛ إذ أن المهمة الأولى للغرب هو إضعاف الإسلام لجعله عاجزاً إلى الأبد عن اليقظة الكبرى"، وقد أفسحت لهؤلاء شاشات الفضائيات، ومنابر الإعلام العربي لتنفيذ مهامهم.
ثانيا: معاول هدم من الخارج، وهذا ما أوكل لعملاء الغرب من الملاحدة والعلمانيين والمنحلين، فهم يعرضون في كل بيت من بيوت الإسلام من خلال شاشات التلفزيون ما يدعو إلى الانحلال والتحرر من القيم والأخلاق، وفرض النظرة الحيوانية في علاقة الرجل بالمرأة، وإثارة الغرائز الجنسية والشهوانية، وعرض صور للحياة الإباحية الغربية بطريقة مدروسة ومحببة للنفوس، وهم لا يترددون في شن حملات إعلامية شرسة لتشويه الإسلام متهيمينه بالتحجر والتخلف وكبت الحريات!! داعين المسلمين إلى الفوضى واستباحة كل شيء باسم الحرية!! وإلى استبدال الثقافة والعادات الإسلامية بالثقافة والعادات الغربية، مستغلين المرأة في تحقيق ذلك، وهم في ذلك يتكتمون على الوضع الاجتماعي والأسري الذي وصل إليه الغرب، وما يعصف بهما من اضطرابات قاتلة، وأزمات مدمرة بسبب الأخلاقيات السائدة هناك.