فهرس الكتاب
والنداء موجّه إلى الأمة كلها للخروج من التيه والعودة إلى الطريق .. ولكنه موجّه بصفة خاصة إلى شباب الصحوة ، فهم الرواد الذين يدلون الأمة على الطريق ، وييسرون لها العودة إليه ، والمسير فيه:
( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) (8)
ولقد كتبت هذه الصفحات لأبين في إيجاز شديد كيف دخلت الأمة في التيه ، والحجم الحقيقي لذلك التيه الذي شمل كل جوانب الحياة: الروحية والفكرية والخلقية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية في فترة من الفترات . ثم الدور الذي قامت به الصحوة المباركة حتى هذه اللحظة على الرغم من كل سلبياتها وتعثراتها ، ثم صورة الغد المأمول بإذن الله ، حين تستكمل الصحوة نضجها ، وتستكمل الأمة خروجها من ظلمات التيه ، فيعود لها التمكن في الأرض بحسب وعد الله الدائم:
( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً) (9) .
والله المسئول أن يبصّر الأمة بالمخرج الحقيقي من التيه ، وبالسبيل الحق ، والمنهج الصحيح للسير فيه:
( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (10) .
محمد قطب
إن الحرب الصليبية التي بلغت ذروتها في البوسنة والهرسك في أيامنا الأخيرة ، قد بدأت في الحقيقة منذ عدة قرون .. نستطيع أن نقول بشيء من التحديد إنها بدأت بطرد المسلمين من الأندلس . وقد سقطت آخر دويلة إسلامية في الأندلس عام 1492 م (11) ، بعد أن عملت محاكم التفتيش بكل فظائعها لإبادة المسلمين ، والقضاء الكامل على الإسلام في تلك البقاع . ثم أمر البابا بمتابعة المسلمين خارج الأندلس ، وفرض النصرانية عليهم بالسيف إن لم يستجيبوا لدعوة التنصير . وكانت الرحلات التي قام بها فاسكو داجاما وماجلان وغيرهما رحلات استكشافية ، لكشف نقاط الضعف التي يمكن عن طريقها اختراق العالم الإسلامي توطئة لغزوه والاستيلاء عليه ، وقد اضطرت كلها أن تسير في اتجاه مغاير للحملات الصليبية الأولى بسبب وجود الدولة العثمانية بقوتها الرهيبة في الشرق ، وتوغلها الكاسح في شرق أوربا ، فكان على الحملة الجديدة أن تدور حول أفريقيا ، وتحاول غزو الأطراف البعيدة أولا قبل أن تتجه إلى قلب العالم الإسلامي ، وبالذات إلى بيت المقدس ، الذي انهزمت عنده الحملات الصليبية الأولى . وفي هذه المرة لم يكن بيت المقدس هدفا للنصارى وحدهم ، بل اشترك اليهود معهم ، ولكن لحسابهم الخاص !
وشهد القرنان الثاني عشر والثالث عشر الهجريان ( الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديان ) تركيزا شديدا في الحملة الصليبية ، انتهى بالاستيلاء على معظم بلاد العالم الإسلامي ، بعد معارك عنيفة بين المسلمين و الصليبيين ، انتهت كلها بهزيمة المسلمين أمام الغزو الكاسح ، وخضوع العالم الإسلامي للغزو النصراني
وبطبيعة الحال لم تحدث تلك الهزيمة اعتباطا ، وإنما كان لها أسباب .
والأسباب الظاهرة هي التخلف الذي أحاط بالمسلمين في ميدان العلم ، وميدان"التكنولوجيا"، وميدان الاقتصاد ، وميدان التدريب الحربي والتسلح . وقد كانت هذه الأسباب كلها قمينة بإحداث الهزيمة العسكرية أمام الغرب الذي كان قد تقدم في كل تلك الميادين بمقدار ما تخلف المسلمون ! ومعركة إمبابة الشهيرة بين المماليك ونابليون نموذج واضح لهذه الحقيقة ، فقد استغرقت المعركة كلها عشرين دقيقة ! ولم يكن ينقص المماليك الشجاعة الحربية ولا الرغبة في صد العدوان عن ملكهم ، ولكن مدافعهم المتخلفة التي تحتاج إلى فترة زمنية بعد كل طلقة حتى تبرد ويمكن حشوها بالبارود من جديد ، والتي يتناقص مداها كلما حميت ، لم تكن لتصمد أمام المدافع التي تتتابع طلقاتها بسرعة وقوة وتمكن ، ومن مدى أبعد مما تصل إليه مدافع المماليك .
ولكن الدراسة الواعية لتلك الفترة من التاريخ يجب ألا تقف عند الأسباب الظاهرة ، فتفوتها عندئذ الحقيقة الكامنة وراء تلك الأسباب . إنما يجب أن تتعمق لترى الأسباب الحقيقية التي أدت إلى ذلك الانهيار .
وحين يقوم المؤرخ المسلم بدراسة هذه الفترة من التاريخ فسيكون له بالضرورة موقف مختلف عن المؤرخ الأوربي ، من ناحيتين اثنتين على الأقل .