وقد بدأ ذلك التيه منذ أكثر من قرن ، حين نحّت هذه الأمة شريعتها ، واستبدلت بها الشرائع التي أخبرها ربها أنها شرائع جاهلية لأنها لا تحكم بما أنزل الله ؛ واستبدلت بقيمتها وأخلاقها وأنماط سلوكها قيم الغرب وأخلاقه وأنماط سلوكه ؛ وأدارت ظهرها لكتاب ربها وسنة رسول صلى الله عليه وسلم ، لتستورد الأفكار والنظم و"الأيدلوجيات"والمبادئ من المكان الذي توهمت فيه الرقي والتقدم والحضارة الحقيقية .
وكانت الفتنة بالغرب - بعد الانبهار الذي أصاب الأمة على أثر الهزيمة العسكرية أمامه - هي بداية التيه الذي ابتليت به الأمة في محنتها .
لقد كانت الأمة قبل ذلك قد أصابها من السقام ما أصابها ، فانكمشت وانحسرت ، وقبعت في داخل ذاتها ، تحتضن البقايا المتبقية لها من دينها ، وتحسب أنها على دين صحيح . ثم اشتد بها السقام حتى كادت تسقط من الإعياء ، وهي في مكانها لا تريم ، ولكنها لا تفكر في تغيير هويتها ، ولا تقبل ذلك لو دعيت إليه . ثم إذا هي فجأة - بعد هزيمتها العسكرية أمام الغرب - تنتفض مذعورة ولكن على غير هدى من ذلك الدين الهادي الذي عاشت به ما سلف من القرون ، وكان فيه مجدها وعزها وقوتها يوم أن كانت مستمسكة به على بصيرة . . وإذا هي - في وهلتها - تدور في التيه ، تبحث عن الهدى في المكان الذي لا تجده فيه !
وأوغلت الأمة في التيه ما يزيد على قرن من الزمان . .
ثم جاءت الصحوة بحمد الله . . وبدأت طلائع الأمة تخرج من التيه لتعود إلى منبع الهدى الحقيقي ومنبع القوة الحقيقية ، الذي كانت قد غفت عنه فترة من الوقت من قبل ، ثم هجرته فترة من الوقت و هي تدور في التيه .
ولكن الصحوة ذاتها ما تزال في أول الطريق ، وما يزال أمامها مشوار طويل لابد أن تقطعه لتحقق أهدافها . وما تزال طوابير طويلة من الأمة تسير في ظلمات التيه .
كم قدّر الله من الزمن لهذه الأمة تقضيه في التيه ؟ ذلك غيب لا يعلمه إلا الله . .
ولكنا نحسب أن آَن الأوان للأمة أن تخرج نفسها من ذلك التيه . فإن تكن الفتنة بالغرب هي التي أدخلتها في التيه بادئ ذي بدء ، فنحسب أن الغرب قد انكشف اليوم على حقيقته بصورة يلمسها من كان له أدنى قدر من البصر بمجريات الأمور .
والوحشية الصليبية التي ارتكبها الصرب في البوسنة والهرسك ، ثم السكوت المخزي الذي مارسه الغرب الصليبي كله على هذه الوحشية المسفّة ، لابد أن يكشفا لكل إنسان عن حقيقتين هائلتين: الأولى مدى الحقد الصليبي الكامن في نفوس الغرب تجاه الإسلام والمسلمين ؛ والثانية مقدار الزيف في تلك"الحضارة"التي زعمت أنها حضارة"إنسانية"تقوم على احترام"الاَخر"وإعطائه حقه في الوجود ، وحقه في التعبير عن ذلك الوجود !
إن الغرب هو أكبر أكذوبة حضارية في التاريخ . . برغم كل تقنياته ، وكل تقدمه العلمي و المادي ، ووصوله إلى القمر ووصوله إلى المريخ . . فكل ذلك - وحده - لا يصنع حضارة ، و إن كان العلم و تقنياته من مستلزمات كل حضارة . . إنما الحضارة الحقة هي التي ترتفع"بالإنسان"في جوهره الحقيقي . . في كيانه كله لا في جانب واحد منه . . في"كافة"مجالات حياته كما قال الله للمؤمنين:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ، وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) (6)
"ادخلوا في السلم كافة". . أي بكافتكم جميعا ، وبكافة كل واحد منكم . . بكافة نفسه وعقله ومشاعره وضميره وأنماط سلوكه ، فإن أية جزئية من كيان الإنسان لا تدخل في ذلك السلم الرباني فهي غذاء للشيطان المتربص ، يتلقفها ليجر الإنسان منها ، ليحاول أن يخرجه من السلم في الدنيا ويدخله الجحيم في الآخرة:
( قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) (7) .
والوحشية الصليبية في البوسنة والهرسك ، والسكوت المخزي الذي مارسه الغرب تجاهها ، هما المحك الحقيقي لتلك"الحضارة"الزائفة . المحك الذي يكشف معدنها الحقيقي ، ويكشف كم تركت من جوانب حياتها غذاء للشيطان .
ومع ذلك فهي ليست الوحشية الوحيدة التي مارسها العالم"المتحضر"أو سكت عنها السكوت المخزي ، أو باركها سراً وعلانية ، فمذبحة طاجستان لا تقل وحشية ، ومذابح الهند وكشمير لا تقل وحشية ، ومذابح فلسطين لا تقل وحشية ، ومذابح الفلبين لا تقل وحشية .. وغيرها وغيرها في كل بقاع الأرض ..
وقد آن للمخدوعين بالغرب من هذه الأمة أن يفيقوا ، وأن يخرجوا أنفسهم من ظلمات التيه .
وإذا كان الإنبهار بالغرب - الذي نشأ أساساً من الخواء العقدي الذي عاشته الأمة في فترتها الأخيرة - هو بداية التيه ، فليكن إنكشاف الغرب على حقيقته هو بداية التوجه للخروج من التيه لمن كان ما يزال يسير فيه .. ولن يخرج الإنسان من التيه حقيقة حتى يدخل بكافته في السلم الرباني .. في حقيقة"لا إله إلا الله ، محمد رسول الله".