نبيل شبيب
يقول"كاي فون رومور"من مصرف كاوين في بوسطن:"إن مواقف المرشّحيْن لا تؤثر على أسواق الأسهم المالية إلا هامشيًّا".. ويقول"ماثيو كاسمار"من مصرف دويتشِه بنك في نيويورك:"لن تكون لنتائج انتخابات الرئاسة آثار تستحق الذكر في أسواق الأسهم المالية".. ويقول"بيتر لوشمي"أحد الخبراء بالشئون الأمريكية من جامعة جوتينجن الألمانية:"لا توجد فروق أساسية في السياسات الاقتصادية بين بوش وآل جور"، وقد صدرت هذه الأقوال وأمثالها في الأيام الأخيرة من آب/ أغسطس 2000م، أي بعد انعقاد المؤتمرين العامَّين لحزب الجمهوريين وحزب الديمقراطيين، وظهور الخطوط العامة التي يريد كل من المرشحين لمنصب الرئاسة الأمريكية الالتزام بها، أو يعلن في إطار الحملة الانتخابية الحالية أنه سيلتزم بها.. ولا يُنتظر ظهور تفاصيل كبيرة مختلفة عن هذه الصورة العامة، عندما يتواجه الطرفان ثلاث مرات في المناظرات التلفازية التقليدية قبل الانتخابات، أو عندما يتواجه المرشحان لمنصب نيابة الرئاسة تشيني وليبرمان في مناظرتين مماثلتين على الشاشة الصغيرة.
اقرأ في الموضوع:
أولاً: إحجام الناخبين عن المشاركة
ثانيًا: أرضية مشتركة، وغياب الفوارق بين الحزبين
ثالثًا: تركة كلينتون، والوعود الانتخابية الباهتة
رابعاً: الخاسرون والكاسبون
أولاً: إحجام الناخبين عن المشاركة
ويبدو لمن يرصد التحليلات والمتابعات الإعلامية حول مجرى المعركة الانتخابية الحالية، أن بعض الأقلام التحليلية، في وسائل الإعلام العربية - وسواها أيضًا - تبحث عن كلمة عابرة، أو جملة جانبية، أو شعار حماسي، ثم تضخّم من المحتوى؛ للعثور على فارق حقيقي في الأطروحات الاقتصادية؛ لتلفت الأنظار إليه، فتبرر ضخامة المتابعة لمجرى المعركة الانتخابية، يومًا بيوم، وساعة بساعة، إلى درجة غلبة الاهتمام بها على الاهتمام ببعض القضايا الوطنية، أو القومية أو الإسلامية المشتركة.
وقد انتشرت عمومًا الصيغة القائلة: إن آل جور الأشد نقدًا للشركات، والأكثر تركيزًا على الجوانب الاجتماعية، يمثل المرشح الأفضل بمنظور الطبقات الاجتماعية الأضعف نسبيًّا، مقابل بوش الذي يتوجه نحو إلغاء البقية الباقية من تأثير الدولة على ما يصنع أصحاب المال والأعمال، فهو المرشح المفضل لدى هؤلاء، ولكن هل يمكن القبول بهذه الصيغة على إطلاقها؟..
الجواب يتطلب أكثر من إشارة مبدئية إلى عوامل أخرى عديدة، ترتبط بالانتخابات والمفاضلة بين المرشحين، وبنظام الأحزاب، والانتخابات، وبالبنية الهيكلية لصناعة القرار، وموقع صلاحيات رئيس الدولية فيها، وبدور جماعات الضغوط وفق المصالح المشتركة.. وإذا تجاوزنا تلك العوامل عمومًا؛ فإنه يصعب في إطار الحديث عن النتائج الاقتصادية المترتبة عن وصول أحد المرشحين للسلطة أن نتجاوز ظاهرة انخفاض نسبة المشاركة في التصويت في الولايات المتحدة الأمريكية بالمقارنة مع البلدان الغربية الأخرى ذات الأنظمة الديمقراطية، لا سيّما عند الإشارة إلى الخطأ المتكرر في تعليلها بأسلوب التجميل، كما في القول الشائع: إن عزوف غالبية الأفراد الأمريكيين عن التصويت؛ يعود إلى تمتعهم بالرفاهية حتى بات اهتمامهم بممارسة حق التصويت ضعيفًا، وتكفي نظرة في تفاصيل توزيع الفئات المشاركة في التصويت؛ ليظهر نقيض ذلك، فالفئات المرفَّهة اقتصاديًّا تشارك في التصويت بنسبة أعلى غالبًا، بينما تكاد الظروف المعيشية السيئة فقرًا وتشريدًا وبؤسًا تمثل عاملاً رئيسيًّا في الامتناع عن التصويت يأسًا من احتمال التغيير، أو ربما نتيجة الانشغال عنه أصلاً، فإذا خرجنا عن مفعول العامل الاقتصادي الداخلي في المشاركة، نجد الإقبال على التصويت مقترنًا غالبًا بتعبئة بعض الفئات سياسيًّا، وهو ما يسري على الأقليات مثلاً، ويرتبط بذلك ما يلاحظ حاليًا على الأسباب التي يبديها الناخبون المسلمون؛ لتعليل مواقفهم في إطار الحملة الجارية؛ لتنشيط مشاركتهم في التصويت، وفي التأثير على المعركة الانتخابية، وأغلب تلك الأسباب مرتبط بأوضاعهم القانونية وليس الاقتصادية.
4% نسبة الناخبين الحقيقيين:
لم يصل معدّل الناخبين الأمريكيين إلى خمسين في المائة ممّن يحق لهم التصويت إلا نادرًا، وعلى ضوء التأمّل في ظاهرة المهرجان الإعلامي الدعائي الفريدة من نوعها عالميًّا، والمتجدّدة مع كل جولة انتخابية جديدة، يوجد أيضًا محلّلون يطلقون وصف"الناخبين الحقيقيين"على حوالي 4% (أربعة في المائة) فقط من السكان، وهم أولئك الذين يشاركون بالتبرعات المالية لصالح الحزبين الجمهوري والديمقراطي؛ لتغطية نفقات معاركهما الانتخابية، ثم يوجد من هؤلاء من يمكن تبعًا لذلك إطلاق وصف"كبار الناخبين"عليهم، أي الذين يغطّون زهاء تسعين في المائة من التبرعات، ويمثلون أقل من نصف في المائة - أي خمسة بالألف - من السكان.