وإذا نظرنا بهذا المقياس في المعركة الانتخابية الحالية؛ فإننا لا نجد فارقًا كبيرًا بين المرشّحيْن للرئاسة من حيث اهتمام رجال المال والأعمال بهما، فإذا كان التأييد يتناسب طردًا مع نوعية السياسة الاقتصادية المنتظرة من كل منهما، فإنه يمكن تقديره من خلال رصد"حجمه"، وقد كان حتى نهاية شهر حزيران/ يونيو 2000م يعادل 138 مليون دولار لصالح بوش وحزبه الجمهوري، و 119 مليون دولار لصالح آل جور وحزبه الديمقراطي.
ولتقدير مدى ازدياد"رضى"رجال المال والأعمال عن سياسة الحزبين الاقتصادية؛ تحسن الإشارة إلى أن هذه التبرعات، التي تلقاها الحزبان قبل أن تبدأ المرحلة"الساخنة"من المعركة الانتخابية تعادل ضعف ما تلقاه الحزبان في الفترة نفسها من معركة انتخابات الرئاسة الماضية قبل أربع سنوات.
ثانيًا: أرضية مشتركة وغياب الفوارق بين الحزبين
الواقع أن مشكلة البحث عن نقاط الافتراق بين الطرفين على صعيد السياسة الاقتصادية وسواها، لا تطرح نفسها على المحللين والمراقبين الإعلاميين فقط، بل تطرح نفسها على المرشّحين والأجهزة القائمة على تحديد مواقفهما وصياغة خطبهما، وتوزيع مواطن الثقل فيما يظهرانه من اهتمام بهذا الجانب أو ذاك من الميادين السياسية المختلفة، فقد تقاربت سياسات الجمهوريين والديمقراطيين اقتصاديًّا على الصعيد الداخلي والخارجي تقاربًا كبيرًا، وبات التعرّف على الفوارق بينهما عسيرًا دون الانطلاق من الأرضية المشتركة التي تجمعهما، ثم محاولة العثور على تلك الفوارق في التفاصيل فقط.. وهي في إطار التفاصيل أيضًا فوارق محدودة للغاية، تقتصر حتى الآن على بعض ما يطرحانه بصدد صرف الفائض المتوقع من الميزانية المالية، وهذا فيما لا يمس المحاور والمرتكزات الرئيسية للسياسة الاقتصادية داخليًّا أو خارجيًّا على السواء.
الكل رأسماليون:
ومن الضروري هنا أن نثبّت من البداية ما نغفل عنه أحيانًا رغم أنه معروف وظاهر للعيان، وهو أن الحزب الديمقراطي حزب رأسمالي عريق، كالحزب الجمهوري الرأسمالي العريق، ولم تصل الفروق بينهما قطّ إلى المقدار المعروف من الفروق والاختلافات بين أحزاب اليمين واليسار في البلدان الأوروبية، علمًا بأن هذه أيضًا بدأت تتلاقى على منتصف المسافة فيما بينها..
ثم توجد عوامل تاريخية قريبة ألغت الفروق أو قلّصتها، فبعد عهد"رونالد ريجان"الذي مال كل الميل نحو رأسمالية متشدّدة للغاية - وتابعه جورج بوش على ذلك جزئيًّا.. وكلاهما من الجمهوريين - تميّز عهد الرئيس الحالي"بيل كلينتون"من الديمقراطيين بالتوجه نحو الوسط بشكل ملحوظ، مثله في ذلك مثل"توني بلير"من حزب العمال في بريطانيا، و"جيرهارد شرودر"من الاشتراكيين الديمقراطيين في ألمانيا، وذاك ما يحاول هؤلاء وأقرانهم"تسويقه"عالميًّا تحت عنوان الطريق الثالثة، والأصوب وصفها بالطريق الرأسمالية مع بعض أدوات التجميل، ولا يوجد في سائر مواقف آل جور ما يخرج به عن طريق كلينتون اقتصاديًّا، أمّا محاولات التميّز بنفسه عنه فتقتصر على الجانب"الأخلاقي"بعد فضائح كلينتون الجنسية، كذلك فمن الملاحظ على جورج بوش الابن، أنه يسعى للميل بحزبه باتجاه الوسط أيضًا، مما ساهم بدوره في تقليص الفجوات القديمة بين الحزبين على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي.
التشكيك في السياسة الاقتصادية مرفوض:
ويوجد عامل آخر لا يقلّ أهمية عن"مضامين الخلاف"وهو أن السياسة الاقتصادية تمثل عاملاً حاسمًا في هذه الانتخابات - كسواها - بمقدار ما تتوفّر إمكانيات توظيف الشعارات والعناوين المطروحة في المعركة الانتخابية لكسب أصوات الناخبين.. وهذا ما تقوم عليه الآلة الإعلامية والمالية للمعركة الانتخابية كما هو معروف عن الولايات المتحدة الأمريكية منذ زمن بعيد، وبتعبير آخر وفق الخطط المدروسة من جانب المتخصصين في الحملات الانتخابية، لكسب أصوات فئات بعينها، ونظرًا إلى أن غالبية الشرائح المشاركة في الانتخابات هي - بمنظور العامل الاقتصادي - أقرب من الأصل إلى تمثيل الطبقات الاجتماعية الثرية والوسطى، فليس من مصلحة أي من الحزبين التشكيك في الوقت الحاضر في سياسة اقتصادية أوصلت إلى الوضع الاقتصادي الأمريكي الراهن.. وهو في صالح تلك الطبقات ماديًّا إلى حدّ كبير، وهذا ما تؤكّده المقاييس التقليدية للمدرسة الرأسمالية، أي مقاييس نسب النمو السنوية، في مرحلة متميزة من"الازدهار.. وقوّة الدولار في الأسواق المالية.. وانسياح الشركات العملاقة عالميا".
ثالثًا: تركة كلينتون والوعود الانتخابية الباهتة