فهرس الكتاب

الصفحة 8549 من 27364

وقد كانت السياسة المتبعة اقتصاديًّا من جانب كلينتون"الديمقراطي"أقرب إلى مواصلة الخطوط العامة للسياسة المتبعة من قبل سلفيه ريجان وبوش الجمهوريين.. وكثيرًا ما قيل: إن السبب هو وجود غالبية من الجمهوريين في"الكونجرس"الأمريكي، ومن العسير القبول بذلك وحده كتعليل مقنع، فمن المؤكد أن كلينتون - ومن معه - يتبنى النهج الذي طبّقه اقتصاديًّا بحماس ونتيجة اقتناع داخلي، وليس نتيجة ظروف نيابية ضاغطة، وهذا ما يتبيّن مثلاً من تحرّكه عالميًّا على صعيد ما يوصف بالطريق الثالث كما سبقت الإشارة.. وقد جعل منه على أرض الواقع طريقًا تطبيقيًّا وسطًا بين الاتجاه المتشدّد من مدارسها والأقلّ تشدّدًا فحسب.

وإذا خلفه آل جور في السلطة، فلا ينتظر منه أن يصنع جديدًا على هذا الصعيد، رغم تركيزه على"خدمة الإنسان الأمريكي.. وتخفيف الضرائب عن الطبقة المتوسطة.. وتحسين الضمانات الاجتماعية.. وتوفير ظروف أفضل للتعليم.."، فجميع ذلك كان موضع الذكر بصورة أشدّ تأكيدًا وأكثر تفصيلاً على لسان كلينتون في معركته الانتخابية الرئاسية الأولى على وجه التخصيص، ولم يكن موضع التنفيذ لاحقًا، وقد جاءت معركته الانتخابية تلك مع نهاية الحرب الباردة، أي بعد المرحلة التي استغلها كثير من المرشحين الجمهوريين لانتخابات الرئاسة، لتبرير رفع النفقات العسكرية، وتطوير التقنيات الصناعية، وتوظيف"القروض الخارجية"في سياسة المواجهة.. وجميع ذلك على حساب الجوانب الاجتماعية، فوجد كلينتون وحزبه الفرصة مواتية في اتجاه التغيير من خلال رفع راية تلك الجوانب الاجتماعية، فلا يكاد يوجد ما يمكن لحزب الديمقراطيين وآل جور أن يزيدوا عليه شيئًا في الوقت الحاضر.

وعود باهتة لم تتحقق:

بل على النقيض من ذلك، فعدم تحقيق ما وعد به كلينتون قبل ثماني سنوات، يُفقد خلفه من الحزب نفسه مصداقية الوعود التي يطلقها بصورة باهتة الآن، ونقف عند المحطات الرئيسية من ذلك، على ضوء ما يتكرّر ذكره في الحملة الانتخابية الراهنة، ويشير إلى أكبر الفوارق المميزة في نطاق التفاصيل ما بين المرشحين الحاليين للرئاسة:

أولاً - كان على رأس الأهداف والشعارات المرفوعة قبل ثماني سنوات، إصلاح شبكة التأمينات الصحية، ولم يتحقق من ذلك قليل ولا كثير، ولم يَعُد لهذا البند وجود في البرنامج الرسمي لحزب الديمقراطيين، وإن بقي يتردّد في بعض كلمات الدعاية الانتخابية الجارية على لسان آل جور، ولا يتردد على لسان بوش، بينما يقترب الطرفان من بعضهما في قطاع التأمينات الاجتماعية من حيث الهدف المطروح، ويفترقان افتراقًا طفيفًا من حيث الوسيلة إليه هل تكون بمشاركة أكبر من جانب الدولة، أم بتحويل جزء من تلك الضمانات إلى القطاع الخاص.

ثانيًا - وكان في مقدّمة الجوانب الاجتماعية المطروحة قبل ثماني سنوات أيضًا تحسين أوضاع التعليم.. ولم يبق ما يستحق الذكر من ذلك، إنما يقال حاليًا: إن أكبر إنجازات كلينتون كان التعجيل في إدخال الحاسوب والشبكة إلى المدارس الأمريكية، ولكن تحقق هذا الإنجاز بالذات على الأرجح؛ لأنه يَعِد بعائدات ضخمة لصالح الشركات القائمة على الصناعات التقنية والبرمجية، وهو ما يفسر وقوفها وراءه ودعمها العملي والمالي له، بينما ما زالت سائر المشكلات المطروحة قبل سنوات مطروحة الآن أيضًا، وبحدّة أكبر في بعض ميادين التعليم، حتى ارتفع عدد أطفال الأسر التي تستفيد من القانون الاستثنائي للأخذ بمنهج تعليم الأبناء والبنات في المنزل، إلى ضعف ما كان عليه وبلغ 1.5 (مليونًا ونصف المليون) من أصل 50 مليون تلميذ أمريكي.. وهنا أيضًا لم يطرح آل جور جديدًا يختلف به اختلافًا كبيرًا عن سلفه أو عن المرشح الجمهوري بوش؛ إذ يريد آل جور تخصيص جزء من فائض الميزانية المتوقع لدعم تدريس أطفال الأسر الفقيرة في المدارس الرسمية، ويريد بوش تخصيص ذلك لدعم تلك الأسر مباشرة؛ لتنقل أطفالها من المدارس الرسمية إلى المدارس الخاصة..

18 مليون عاطل:

ثالثًا - وربما كان"تخفيض البطالة"أكبر المغالطات المطروحة في الساحة الاقتصادية الأمريكية، قبل الانتخابات ولا يبدو أنه سيطرأ عليها تغيير بعدها؛ إذ لا يطرح الديمقراطيون الموضوع إلا على اعتبار ما تحقق إنجازًا، فلا ينتظر من آل جور إلا أن يسير على خطى كلينتون في هذا المجال، كذلك لا يطرح الجمهوريون؛ لأن الوضع الذي أوجده الخصم السياسي هو الوضع الذي يفضلونه على سواه اقتصاديًّا، ويحقق هدفهم من حيث خدمة مصالح أصحاب المال والأعمال لا العمال.. فلا يتوقع من الجمهوريين أيضًا تغيير السياسة الراهنة، ومع ملاحظة أن قضية البطالة على رأس ما يهمّ الفرد العادي من نتائج الانتخابات، يحسن النظر في"مغالطة تخفيض البطالة"، وبالتالي في الوضع الذي لا يريد الطرفان تغييره على النحو التالي:

1 -في مطالع عهد ريجان النموذجي في تطبيق الرأسمالية المتشدّدة كانت الموجة الأولى لنشر البطالة بإلغاء أكثر من مليون مكان عمل في الشركات والدوائر الحكومية على السواء..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت