سعيد بن صالح الغامدي
كتب إلي أحد الإخوة يسأل: (ما الفرق بين الليبرالية والعلمانية؟) .
وللأسف فقد أدركت أثناء مناقشاتي مع الكثير من الأفاضل أنهم لا يفرقون بين المسميين، بل إن بعضهم يظن أن العلمانية أخطر من الليبرالية، وهذا نتيجة التباس معنى الليبرالية على الكثيرين.
وللتفصيل نقول:
العلمانية لا تعني نفي الدين، ولا سلطته، بل ترى أن سلطة الدين يجب أن تتميز عن سلطة الحكم السياسي.
لذلك نجد اليوم أن الفاتيكان يمثل دولة قائمة بذاتها في حدودها الخاصة لدرجة أن للفاتيكان سفارات في الدول الأخرى غير إيطاليا.
والعلمانية لا تمنع أن يكون للكنيسة سلطة، لكنها تضع حدودا بين سلطة الكنيسة وسلطة الحكم.
أما الليبرالية فإنها تمنع أن يكون للكنيسة سلطة إذ أنها ترى أن الدين مسألة خاصة، وقد رأينا من قبل أن (مل) يقول::"إن التحريم يمس حرية الفرد لأنه يعتبر الفرد غير مدرك لمصلحته"، لذلك لا يمكن للكنيسة أو أي هيئة دينية إسلامية أو غيرها أن تتدخل لتحرم على الأفراد فعلا ما.
ثم أن العلمانية ترى أن للسلطة السياسية الحق في المنع والتحريم، بينما ترى الليبرالية أنه لا يجوز لأي سلطة مهما كانت أن تحرم على الناس شيئا أو تمنعهم منه، لأن ذلك يمس بحرياتهم.
إذن يتبين أن العلمانية ليست سوى فصل لسلطة الدين عن السياسة، وليس فصل الدين عن السياسة كما يقول الغير... ويمكن لأي نظام جمهوري أو ملكي أو غيره أن يحكم الناس، بينما ترى الليبرالية إزالة الأنظمة والتقليص من مساحة تدخلها في حياة الأفراد، لذلك فهي تنادي بالملكية الدستورية، والتي تعني تحويل الحاكم إلى مجرد صورة، في الوقت الذي يتم فيه دعم الطبقات الأرستقراطية على حساب الشريحة الضعيفة من الشعب.
إن العلمانية مذهب يقوم على إبعاد الدين عن السياسة ثم لا يهم كيف يتم تنظيم الرؤية السياسية بعد ذلك فقد يكون هذا التنظيم عبر الديمقراطية، وما يسمى بحكم الشعب، وقد يكون بالملكية، وقد يكون بالليبرالية، حيث تفتك النخبة الأرستقراطية الحكم من يد النظام ومن يد الشعب، باسم المجتمع المدني، وهذا قريب من معنى البرلمان.
فالبرلمان ليس ممثلا للشعب فعلا إذ أن عضو البرلمان ينتخبه الشعب غير أنه بعد ذلك لا يعود إلى الشعب لا في صغيرة ولا كبيرة، فتمثيل البرلمان للشعب تمثيل صوري، كما أن البرلمان يفتك التشريع من يد السلطة.
إن الليبرالية من هذا المنطلق أخطر من العلمانية.
لنتصور واقعا تقوم فيه الكنيسة أو أي جهة أو هيئة دينية بممارسة الدعوة وبيان الحق ونصح الناس وتحذيرهم من السوء وإنكار منكرهم ومع هذا لا تتدخل هذه الهيئة في التشريع، لأن هناك برلمانا، ولا في التنفيذ لأن هناك أجهزة تنفيذية، ولا في القضاء.
هذه هي صورة العلمانية.
أما صورة المجتمع الليبرالي فالناس فيه يعيشون بنظام ما قبل وجود القانون، أي أنه لا وجود للسلطة، وليس هناك غير مجتمع مدني فيه جمعيات ومنظمات يسيطر عليها الأرستقراطيون، أما من الناحية الدينية، فإن الناس يفعلون ما بدا لهم ولا يحق للكنيسة ولا لأي هيئة دينية أن تحرم على الناس هذا الأمر أو تستنكر هذا الفعل، لأن الاستنكار يدل على احتكار الحق وهو نوع من تجريد للآخر من حريته.
فإذا كنت في الطريق ووجدت سكران فإنه لا يجوز لك أن تتدخل في خياره لتؤنبه أو تبين له أنه أخطأ فهو حر، مثلما أنك حر.