فهرس الكتاب

الصفحة 432 من 27364

د.خالد بن سعود الحليبي

في ثلاث حلقات سابقة تحدثت عن عدد من السلبيات التربوية التي تتركها معظم الرسوم المتحركة، التي تُبثّ في الفضائيات العربية و العالمية، وفي الحلقات القادمة -بإذن الله- يتواصل الحديث عنها للكشف عن أضرارها البالغة؛ نظرًا لكونها من الأشياء المغفول عنها، بحجة أنها مجرد تسلية للأطفال لدى كثير من الناس اليوم.

زرع الرعب والخوف بين ضلوعهم الهشّة:

وذلك حين تصوّر تلك الأفلام شخصياتها وحوشًا ضارية، ووجوها شريرة، وجنًا وشياطين، ومخلوقات قادمة من عالم الفضاء أشكالها مفزعة، لها نوايا مبيتة وسيئة لعالم الأرض، فيظل الطفل خائفًا متوجسًا من كل شيء يشبهها من حوله، بل منها شخصيًا، ولا سيما في عالم الأحلام، أو أحلام اليقظة.

وإليك هذه القصة.. يُذكر أن أبًا أمر ابنه بأن يذهب بساعته لمهندس الساعات.. فرفض وأصر على الرفض.. ولما سأله لماذا؟ قال: إن المهندس أحدب.. وقد رأيت رجلًا شريرًا أحدب مثله في فيلم الكارتون فأخاف منه! فانظر كيف أثّر مقطع واحد فقط على هذا الطفل حتى تملّكه الخوف من شخصية أي رجل أحدب!

وفي فلم (زورو) الشهير تصوّر الأحداث جواز السرقة من الأغنياء لإعطاء الفقراء، وأن ذلك من أسمى معاني التكافل الاجتماعي، ولو سئل الطفل المتابع لهذا المسلسل: من رمز العدالة؟ لأجاب فورًا: (زورو) ؛ لكثرة تردّد هذه الكلمة خلال الفيلم في كل حلقة، وهي الصعلكة الجاهلية بعينها، وصورة خفية من صور الشيوعية الساقطة.

إشاعة معاني القعود عن العمل والبطالة والكسل:

فإننا نرى كثيرًا من أفلام الكارتون خاوية من معاني الجدية، والعمل المثمر، والتوجيه الجيد، فأكثر ما يُعرض يصوّر الحياة كأنها ملعب كبير ولهو وفوضى لا حدود لهما: هذه فضائية تعرض في فيلم كرتوني شابًا كسولًا جدًا يتضايق من كل من يكلفه بأي شيء، ولا يبرح متثائبًا نائمًا، وفجأة يحصل على (مكنسة سحرية) تعرض عليه أن تحقق له كل ما يريد دون أي جهد منه، فتصنع له العجائب: قصرًا كبيرًا، ملابس فاخرة، تمنحه زوجة جميلة، وأموالًا طائلة فيتفوّق على جميع أقرانه!

فأية معانٍ سيغرسها هذا الفيلم الفيروسي في نفوس أطفالنا؟ وأي همة سيكتسبونها منه لينجحوا في الحياة، وماذا سيجني المجتمع كله من أطفال يتربّون على مثل هذا؟

كسرت هذه الأفلام الحاجز النفسي الذي وضعه الإسلام بيننا وبين بعض الحيوانات:

فالخنازير المحرم أكلها، والكلاب المحرم اقتناؤها داخل المنزل، والدببة التي لا علاقة للبيئة المسلمة بها، جعلت منها هذه الأفلام أبطالًا محببين للمشاهد الصغير، حتى تسابق الأطفال إلى اقتناء دُماها، أقصد تصاويرها المجسمة، بحيث لا ينام أحدهم إلا وهو يحتضن دمية دبدوب صغير، كما يدلعونه بذلك أو كلب صغير أو نحو ذلك، بل ويعلق صور تلك الحيوانات والشخصيات الكارتونية على باب الغرفة، وعلى جدرانها، ويطرز بها أثاثها، وكأن أهله لا يعلمون أن الملائكة لا تدخل مكانًا فيه تصاوير. فيحرمون طفلهم من حفيف الملائكة وحفظها له، فقد روى البخاري بسنده عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رضي الله عنها - أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْهُ فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟ قُلْتُ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ فَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ وَقَالَ: إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ"."

هذا غير ما يقع من تغلغل هذه الشخصيات الكارتونية في نفس الطفل إلى درجة مخيفة، يجعل منها تصل إلى حد التعلّق الروحي.

وعلى سبيل المثال: انظر في فيلم عدنان ولينا إلى الصغير (عبسي) عاري الملابس يحب صغار الخنازير ويلعب بها، ويصيد الكبار ويشويها ويأكلها ويحملها تارة ليمشي بها، ليغرس في نفوس صغار أطفال المسلمين حب الخنازير وعدم كراهيتها، مع أن الله في القرآن حرمها ووصفها بأنها رجس، وقد أثبتت الدراسات الطبية الحديثة ضرر لحم الخنزير وقذارته.

تحطيم خيال الطفل وتشطيره، بدلًا من دعوى توسيعه وبنائه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت