د. منقذ بن محمود السقار
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أنبياء الله أجمعين، عليهم وعلى نبينا أزكى الصلاة وأتم التسليم، وبعد:
فقد خلق الله آدم عليه السلام، وندبه وذريته من بعده إلى عمارة الأرض بمنهج الله: ] إني جاعل في الأرض خليفة [ (البقرة: 30) ، ودعاهم تبارك وتعالى إلى التمسك بهديه الذي أرسل به أنبياءه: ] فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون[ (البقرة: 38) .
وشاء الله بحكمته البالغة أن يختلف البشر في اتباعهم لأنبياء الله ورسله، فمنهم شقي وسعيد، وأرسل الله الأنبياء يقيمون حجته على خلقه، يدعونهم إلى دين الله الذي ارتضاه لخلقه ديناً ليكونوا من السعداء، ويحذرونهم من عصيان أمره حتى لا يكونوا من الأشقياء، ولكن إرسالهم لن يمنع تحقق ما قد سبق في علم الله، فإن أكثر الناس لا يؤمنون ] وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين[ (يوسف: 103) .
وأمام هذه السنة الكونية فإن المسلم مطالب بدعوة الآخرين إلى الحق الذي شرح الله به صدره، وهو على يقين بأن هداية الله قد لا تكتب لكثيرين ممن يدعوهم، فلا يمنعه ذلك من بلاغهم: ] إن عليك إلا البلاغ[ (الشورى: 48) .
وحين يعرض الناس عن دعوة الله ولا يؤمنون بها، فإن المسلم لا يتوقف عن التفاعل مع الآخرين اجتماعياً وحضارياً، رائده في ذلك كتاب ربه، وأسوته نبي صلى الله عليه وسلم ، إذ القرآن أمر بالإحسان إلى الوالدين والجار، ولو كانوا على غير دين الإسلام، كما حثّ على البر وحسن العشرة مع الذين لم يتصدوا لمقاتلة المسلمين والاعتداء عليهم، كما كانت حيات صلى الله عليه وسلم نبراساً في التسامح وحسن التعايش مع الآخرين، ممن اختاروا إلفهم من العقائد والأديان.
واليوم وقد أصبح العالم قرية صغيرة تتلاقح فيها الثقافات عبر وسائل الإعلام المختلفة، تزداد الحاجة إلى الحوار، وإلى ضرورة تأصيله من الناحية الشرعية، والمسلمون حين يمارسونه هم بأمسِّ الحاجة إلى معرفة مسوغاته الشرعية وآدابه ومحظوراته.
وإسهاماً منا في هذا الباب نضع بين يدي القارئ الكريم هذا الجهد المتواضع ، والذي نرجو أن يعالج بموضوعية علمية هذه المسألة الشائكة، التي كثر الجدال حولها بين مؤيد مندفع ومعارض متشكك.
وحين نتحدث عن الحوار فإنا لا نقصد بحال من الأحوال الحوار الذي يقوم على وحدة الأديان والتلفيق بينها وصهرها في دين عالمي جديد قائم على الجمع بين المتناقضات، الكفر والإيمان، التوحيد والوثنية، فتلك الدعوة دسيسة تسترت بالحوار ينأى المسلم بنفسه عنها ، كما سنبينه في حينه.
واللهَ نسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
التعريفات
أ. الحوار
أصله من الحور، وهو الرجوع عن الشيء إلى الشيء.
يقول ابن منظور:"الحَوْر: هو الرجوع عن الشيء إلى الشيء .. والمحاورة: المجاوبة، والتحاور التجاوب، والمحاورة: مراجعة المنطق، والكلام في المخاطبة".1
وقال الراغب الأصفهاني:"المحاورة والحوار: المرادّة في الكلام، ومنه التحاور".2
وهذه المعاني اللغوية وردت في سياق الآيات الكريمة التي ورد فيها مادة (حور) .
قال تعالى: ] إنه ظن أن لن يحور[ (الانشقاق:14) . قال القرطبي:"أي لن يرجع حياً مبعوثاً.. فالحور في كلام العرب الرجوع".
وقال تعالى: ] فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً[ (الكهف 34) . قال القرطبي:"أي يراجعه في الكلام ويجاوبه، والمحاورة: المجاوبة. والتحاور التجاوب". 3
وقال تعالى: ] قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما [ (المجادلة: 1) ، قال في الجلالين:"تراجعكما"4 أي في الكلام.
وورد هذا المعنى أيضاً في غير ما حديث نبوي, من ذلك أن صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ من: (( الحَوْر بعد الكَوْر ) ).5 قال القرطبي:"يعني من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة".6
وقا صلى الله عليه وسلم: (( من دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله. وليس كذلك، إلا حار عليه ) )7 قال النووي:"رجع عليه".8
ومما سبق تبين أن الحوار في معناه اللغوي هو مراجعة الكلام وتداوله، وهو ما يكون عادة بين شخصين أو بالأحرى بين طرفين أو أكثر.
ولم تبعد تعريفات أهل الاصطلاح للحوار عن المعاني اللغوية السابقة، فقد أكدتها وأضافت إليها بعض المعاني والقيم الأخلاقية التي ينبغي توفرها في الحوار.
ومن هذه التعريفات تعريف الدكتور صالح بن حميد، إذ اعتبر الحوار:"مناقشة بين طرفين أو أطراف، يُقصد بها تصحيح كلامٍ، وإظهار حجَّةٍ، وإثبات حقٍ، ودفع شبهةٍ، وردُّ الفاسد من القول والرأي".9
وعرّفه بسام داود عجك بأنه:"محادثة بين شخصين أو فريقين , حول موضوع محدد , لكل منهما وجهة نظر خاصة به، هدفها الوصول إلى الحقيقة , أو إلى أكبر قدر ممكن من تطابق وجهات النظر، بعيداً عن الخصومة أو التعصب، بطريقة تعتمد على العلم والعقل , مع استعداد كلا الطرفين لقبول الحقيقة, ولو ظهرت على يد الطرف الآخر".10