فهرس الكتاب
وهكذا فالمحاورة هي تجاذب الكلام بين المختلفين، وما أضافه العلماء في تعريفه من شروط إنما هي ضوابط أخلاقية يفترض توفرها في الحوار ليكون مثمراً ومجدياً.
ب. الجدال
الجدال لغة: من جَدَلَ الحبل إذا فَتَلَه، قال ابن منظور:"الجدل: اللدد في الخصومة والقدرة عليها.. ويقال: جادلت الرجل فجدلته جدلاً، أي: غلبته. ورجل جدِل، إذا كان أقوى في الخصام. وجادله أي: خاصمه مجادلة وجدالاً".11
وعن معنى الجدل عند أهل الاصطلاح يقول ابن منظور:"الجدل مقابلة الحجة بالحجة، والمجادلة: المناظرة والمخاصمة".12
وعرفه الجرجاني بأنه:"القياس المؤلف من المشهورات والمسلمات، والغرض منه إلزام الخصم، وإفحام من هو قاصر عن إدراك مقدمات البرهان"، كما عرَّفه أنه:"دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة أو شبهة".13
وأما الجويني فيرى أن الجدال:"إظهار المتنازعَيْن مقتضى نظرَتهما على التدافع والتنافي بالعبارة أو ما يقوم مقامها من الإشارة والدلالة".14
وفي المعجم الوسيط:"طريقة في المناقشة والاستدلال، وهو عند مناطقة المسلمين قياس مؤلف من مشهورات أو مسلمات".15
وقد ورد إطلاق (الجدل) في نصوص القرآن والسنة على نوعين متباينين:
الأول: الجدل المذموم، وهو الذي يدور في طلب المغالبة لا الحق، أو الذي فيه نوع من الخصومة واللدد، ومنه قول الله تعالى: ]وقالوا ءآلهتنا خيرٌ أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قومٌ خصمون [ (الزخرف: 58) ، ومثله قول الله تعالى في ذم جدال الكافرين: ] ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد [ (غافر: 4) ، وقوله تعالى: ] وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق [ (غافر: 5) ، وقوله تعالى: ] لا جدال في الحج[ (البقرة: 197) قال ابن منظور:"قالوا: معناه لا ينبغي للرجل أن يجادل أخاه، فيخرجه إلى ما لا ينبغي".16
وفي الحديث: (( ما ضَلَّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أُوتوا الجدل ) ).17
والمراد بذلك كله الجدل على الباطل وطلب المغالبة به، لا الجدل بحثاً عن الحق وفي طلبه، فإن ذلك اللون من ألوان الجدل محمود.
والثاني: الجدل المحمود، وهو الذي يكون في طلب الحق بالأسلوب الحسن بعيداً عن الخصومة، ومنه قوله عز وجل: ] وجادلهم بالتي هي أحسن[ (النحل: 125) .
وهو بهذا المعنى مرادف للحوار، قال تعالى واصفاً حديث المرأة إلى صلى الله عليه وسلم بالحوار والجدال، فقال: ] قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير[ (المجادلة: 1) . قال ابن كثير:"وهو يحاوره، أي: يجادله".18
وهكذا فالجدال صورة من صور الحوار، وقد أمر بها الله ورسوله، وتجنباً لما قد يكتنفه من اللدد في الخصومة فإنهما أمرا بالمجادلة بالتي هي أحسن، بعيداً عن ضروب الجدل المذموم الذي يفضي إلى الشقاق.
ج. المناظرة
المناظرة لغة"من النظير، أو من النظر بالبصيرة"كما عند الجرجاني، وقال ابن منظور:"والمنظر والمنظرة: ما نظرت إليه فأعجبك أو ساءك ... النظر: الفكر في الشيء تقدره وتقيسه منك".19
أما في الاصطلاح فقد عرفها الجرجاني:"النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهاراً للصواب".20
وعرفها ابن منظور:"أن تناظر أخاك في أمر إذا نظرتما فيه معاً كيف تأتيانه".21
وقال الزَّبيدي:"والمناظرة المباحثة والمباراة في النظر واستحضار كل ما يراه ببصيرته".22
قال محمد الأمين الشنقيطي في تعريف المناظرة:"المحاورة في الكلام بين شخصين مختلفين يقصد كل واحد منهما تصحيح قوله وإبطال قول الآخر، مع رغبة كل منهما في ظهور الحق".23
فالمناظرة تفيد النظر والتفكر في الأمور والبحث عن الحق عن طريق المحاورة مع الآخرين.
وحوار المناظرة يكون بين شخصين أو فريقين حول موضوع معين، بغية الوصول إلى تبيان الحق وكشف الباطل، مع توفر الرغبة الصادقة في ظهور الحق والانصياع له.
حتمية الخلاف
إن التعدّد في المخلوقات وتنوّعها سنة الله في الكون وناموسه الثابت، فلكل شيء في هذا الخلق طبيعته وخصائصه وصفاته التي تقارب غيره أحياناً، وتتنافر عنها في أحايين أخرى، وهكذا فطبيعة الوجود في الكون أساسها التّنوّع والتّعدّد.
والإنسانية خلقها الله وفق هذه السنة الكونية، فاختلف البشر إلى أجناس مختلفة وطبائع شتى، وكلّ من تجاهل وتجاوز أو رفض هذه السُّنة الماضية لله في خلقه، فقد ناقض الفطرة وأنكر المحسوس.
وقد جاء في القرآن الكريم ذكر بعض صور الاختلاف بين البشر، كاختلاف الألوان واللغات، وهما فرع عن اختلاف الأجناس والقوميات: ] ومن آياته خلق السّموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إنّ في ذلك لآيات للعالمين[ ( الروم: 22) .
وقد أكدت الآيات أن اختلاف البشر في شرائعهم هو أيضاً واقع بمشيئة الله تعالى ومرتبط بحكمته، يقول الله: ] لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً[ (المائدة: 48) .