د. وليد بن عثمان الرشودي 20/2/1424
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فلقد كان يوم الأربعاء السابع من صفر لعام أربعة وعشرين وأربعمائة وألف من الهجرة يوم مفاجآت لكل العالم، حيث هوت بغداد تحت أقدام جيش التحالف (الأنجلو أمريكي) الذي اجتاج أرض العراق كاملة، فما أبقى فيها ذرة إلا ودنستها أقدام ذلك العدوان الأثيم الذي استنكرته سائر البشرية.
وبعد أن تهاوت بغداد التي صنع لها صدام قوة -هي أشبه بنمر الورق- تدعو العاقل إلى التأمل في هذه الملمة، وتدبر دروسها وأخذ العبر منها؛ كي يحافظ على هويته وينطلق نحو عالميته .
لقد كان لسقوط بغداد ألمه في النفوس، ولكن يجب أن يكون لهذا الألم أثر ينتج أملاً فمن ذلك:
01 لقد ظهر في هذه الحرب أن السنن الكونية نافذة، والأقوى هو الأغلب، فأمريكا طاغية وصدام ظالم باغٍ، وكانت آليات أمريكا أقوى من عتاد وجند صدام، فحسمت المعركة لصالحها، ولو قال قائل: أين الشعب العراقي -والمسلم منهم- من هذه السنة الكونية؟ لقلنا إن صدام لم يعلن توبة صادقة، ورجوعاً صريحاً لدين الإسلام، وإعلان الجهاد في سبيل الله لتحقق له سنة شرعية، وقد تدفع السنة الشرعية السنة الكونية .
02 إن الجيوش إذا ربِّيت على نصرة الأفراد وحمايتهم سقطت وتهاوت سريعاً، وذلك مصداق حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - ( من تعلق شيئاً وكل إليه) فجيش صدام صمم ليحافظ على فرد فزال الفرد، ومن يحافظ عليه بخلاف قوة التحالف التي صممت أصلاً لهدف فجعلته نصب عينها، حتى حققت هدفها وهذه حقيقة لا تقبل الجدل.
03 إن الله تعالى حكيم عليم فلا يقع شيء إلا بعلمه، ولا يظهر شيء إلا بحكمته فمع سقوط بغداد وحرقة النفس عليها إلا أن في ذلك حكمة قد نعلم بعضها وقد لا نعلم أكثرها، فلعل من أعظم الحكم تهيئة المناخ لجيل جديد يعيد لبغداد هيبتها وهويتها الشرعية، ويرفع الراية التي يصح تحتها جهاد القوات المحتلة، ولعل من الحكم أن تثأثر الناس لدينها، وأن تنهض بمهمتها في إعلاء كلمة الدين ومجاهدة المعتدين، فتنتقل المعركة من معركة جيش البعث إلى معركة جيش الإسلام، وهنا يكون الوعد الرباني متحقق الوقوع ( وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) .
04 لقد انقطع البعض عن القنوت بعد سقوط بغداد، وهذا في نظري يكمن في تصور الأزمة وأنها متعلقة ببقاء النظام العراقي أو زواله، وأنا عندي أن القنوت اليوم أولى منه بالأمس، فاليوم الأمة تمر بمرحلة استعمارية جديدة، وهذه نازلة كبرى تقتضي التضرع والابتهال والانكسار والدعاء بإلحاح، لعل الله أن يحمي بلاد المسلمين.
05 إن الألم الذي نعانيه اليوم يعاني الكافر مثله (إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ) فنحن نرجو الأجر والظفر، وهم ألمهم لا رجاء من ورائه في الآخرة، وإنما هو الخسران المبين، فلابد من السعي في زيادة ألمهم، وذلك بعدة صور من أعظمها المحافظة على ثوابتنا وتعلقنا بديننا، ومن ذلك بغض ثقافتهم المنحرفة ورفضنا لها، ومن ذلك تواصينا مع أهل العراق فنفتح باب الدعوة والتواصل، وأن نضع لنا موقع قدم هناك قبل غيرنا، ومن ذلك أن نحافظ على المكتسبات المتبقية في بلاد العراق بلاد العلم والحضارة.
06 إن على الأمة أن تعيد حساباتها وألا تتعامل مع قضاياها عاطفياً أو آنياً، بل لا بد أن يكون عملها منهجاً استقرائياً على وفق خطط مدروسة متأنية تقتضي دراسته اجتماع لأهل العلم والسياسة والاقتصاد والاجتماع، والخروج برؤية تامة متماسكة، إن مشكلة الأمة في تعاملها مع قضاياها هي أنها تتعامل مع أحداثها بعين العاطفة، فيكون علاجها للأزمات هو جمع التبرعات ومعالجة المرضى ومداواة الجرحى وحفر الآبار، وهذا خير عظيم ولكن خير منه هو أن نحسن قراءة المستقبل وأن نعرف كيف نتعامل معه وأن نضع لنا في المستقبل موطن قدم، وألا يكون حالها هو دفع هذه الملمة لنستقبل بعدها أختها أكبر منها، فلو كان هناك قراءة للمستقبل لما وصلت أفغانستان إلى ما وصلت إليه اليوم، ولما كانت البوسنة تتأرجح تحت العلمانية بعد جهاد شرعي طويل، ولما ضاعت العراق، ولكن هي العاطفة التي تسيِّرنا، ولقد كان لنا في رسول الله أسوة حسنة حينما نظر إلى المستقبل فقال: (اليوم نغزوهم ولا يغزونا) ، وحينما ولوا عليهم امرأة قال: ( لا يفلح قوم ولوا عليهم امرأة) فلا بد من إنتاج في قراءة المستقبل على جميع صوره العلمية والعملية.