عبد القادر قلاتي
بعيداً عن ثنائية تقليد/حداثة:
إلى أي حد يمكن أن نجدد تفكيرنا الديني بعيداً عن هيمنة النمط الحداثي الغربي؟ ثم إلى أي حدٍّ يمكن أن ندفع التفكير الديني نحو إبراز منظومة من الإبداع التكويني الذاتي في جدلية التعاصر والتثاقف استناداً إلى شرط النهوض التاريخي والحضاري دون الامتثال لمعايير خارجية في جدلية العلاقة الذاتية مع الآخر (النمط الحداثي الغربي) ؟
إن إمكانية ذلك لا تتم إلا عندما تقتنع المحاولات التجديدية التي تتم في حقل التداول الإسلامي بأن لا فائدة مرجوة لوضع الإسلام مقابل الحداثة. وأن التجديد لا يتم إلا وفق معادلة حددتها هذه المحاولات التي اعتبرت أن الإسلام يمثل الماضي (التقليد) . بينما الحداثة هي لغة العصر. وهي من يجب أن يحدد علاقتنا به. وما لم تتم عملية تقريب بين حقلي الإسلام والحداثة فإنه لا يمكن أن تبدع منظومة معرفية إسلامية تقوم على توافق بنيوي بين هذين الحقلين.
إن هذه الجدلية الحادة المطابقة لصورة الحركة التجديدية منذ إرهاصاتها الأولى هي التي صاحبت هذه الحركة في كل محاولاتها التجديدية، لقد اندفعت هذه المحاولات في تفسيرها للظواهر والبنى الاجتماعية الأكثر تعقيداً نحو استخدام هذه الثنائية الجامدة حداثة/تقليد. وهذا ما جعلها تسلم بفاعلية التقريب مع الحداثة الغربية. ذلك أن الغرب ونمطه الحداثي هو من أبدع هذه الثنائية (خصوصاً الدراسات الاستشراقية) . لتفسير الظواهر الاجتماعية، في العالم غير الحداثي (التقليدي غير الأوروبي) ،"إن بسط الكلام في مفهوم التقليد يجب أن يحملنا على الاعتراف باستواء التقليد وجهاً من الحياة الاجتماعية، وليس مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي، ومن وجهة بالغة الأهمية ليس التقليد والحداثة حالتين متنابذتين في مرتبة الثقافة والاجتماع، وإنما هما حيثيتان مختلفتان للوضعية التاريخية. وبهذا اللحاظ فإن عدداً من الأشياء التي يجري التفكير فيها بوصفها أشياء حداثية إنما ترتبط بوثيق صلة بتقاليد لها جذورها في التاريخ الغربي"1.
هناك صيغ تقليدية كثيرة تندرج ضمن الحداثة، وقد تشكل إحداها مفهوماً مركزياً لها. كالليبرالية مثلاً، فهي لا تتعين باعتبارها مزيجاً من عناصر تقليدية وأخرى حديثة. إنها تقليدي يرسم وجها مركزيا من وجوه الحداثة الغربية ومع كونها تقليدية فهي أكثر حداثة من الكثير من المفاهيم المندرجة ضمن متن الحداثة. ومع هذا لا يطال النقد الموجه إلى التقليد هذه الصيغ الحديثة في الغرب، بل يكثف جهوده نحو نقد ما يسمى"مجتمعات / ثقافات تقليدية".
في سياق هذا التفكير يمكن للحركة التجديدية أن تخرج من أسر ثنائية تقليد/حداثة، وأن تعاود التفكير في الصيغ الجاهزة التي أبرزتها المنظومة الحديثة الغربية، وهو أن التقليد يعني غياب الحداثة، وأن الحداثة فعل اجتماعي وثقافي يمكّن من التحرُر من هيمنة التقليد. ثم النأي بتفكيرنا الديني عن كل التفسيرات القائلة بالتوافق البنوي بين الفكرين الإسلامي والغربي. وإمكانية التقريب بينهما. وأن التراث (التقليد) لا يمكن أن يفهم من ذاته. وإنما يتطلب دائماً نقيضاً مفهومياً. وهو طبعاً الحداثة.
فك ترابط علاقة التجديد بالحداثة
عبد القادر قلاتي
لا يمكن فك هذه العلاقة المتشكلة ضمن شروط تاريخية وإكراهات حداثية لم يكن التفكير الديني قادرًا على أن يعط مفهومًا ذاتيا عن التجديد والتغيير إلا ضمن هذه الشروط (ربط التجديد بالحداثة) ما لم نحرر مفهوم التقليد (التراث) «الذي تنحصر دلالته بحسب الأدبيات الشائعة في الدعوة إلى ماضٍ أساسي يقاس به التاريخ اللاصق ويرد إليه» 1.
إن العلاقة بين التجديد كآلية والحداثة كمعطى اجتماعي وثقافي لم تتشكل إلا ضمن تصور مغلوط فرضته شروط تاريجية عند حاجة الأمة إلى النهوض. وبالتالي فالإسراع في التأكيد ألا حاجة ماسة من وراء هكذا علاقة مطلب ضروري عندما تبدأ محاولة تجديدية جادة. تبدع شروطها التاريخية الناسخة لتلك المشوهة وتبرز حاجة الأمة إلى التغيير أو التجديد ضمن رؤية وتصور ينطلقان من الذات ولا يستبعدان ما قد يستفاد من إنجازات الحداثة. في أي محاولة للتجديد (الذاتي) .
إن الدعوة إلى تحرير مفهوم التقليد (التراث) من أسر تصورات خاطئة جعلته يلتصق بخاصة «زمانية أي أنه تابع للزمن» . وهذا ما كرس هذا الوهم نحو مفهوم التقليد. حيث إن أعراضه «تنقض بالفراغ من عملها بدون بقاء أثر أو قيمة» ، وهذا ما يُحاول تيار التغريب أن يُكرسه كتصور منطقي لإبعاد الإسلام ومنظومته المعرفية من أي محاولة سياسية أو ثقافية. باعتبار الإسلام -في نظر هؤلاء- شكل تقليدي (تاريخي) انتفت فاعليته بانقضاء حضوره في الزمن. والمحاولات التحديدية التي ربطت مصيرها بالحداثة لم تكن بعيدة عن هكذا تصور، أي أن تراثنا الديني الذي صنع وجودنا الحضاري، وظل يحدد مسار تفكيرنا عبر تاريخ طويل لا بد أنه فقد الكثير من فاعليته، وأن عطباً واسعاً طال آلياته. ومن ثم الارتهان إلى الحداثة مصير وليس خيارا.