هشام الميلوي
جون غراي *
سوف نتذكر دائماً أن العشرية الفاصلة بين سقوط حائط برلين والهجوم على برجي نيويورك على أنها كانت حقبة للتضليل والخداع بامتياز. الغرب صفق كثيراً لانهيار الشيوعية ـ جوهر الإيديولوجية المثالية في أوربا ـ وعده انتصاراً للقيم الغربية. إن انهيار الاتحاد السوفياتي كان إيذاناً بسقوط أسوء التجارب المثالية والكارثية في التاريخ. لكنها استقبلت في الغرب بوصفها فرصة تاريخية للبدء بمشروع يوتوبي آخر وأوسع؛ ـ السوق العالمية الحرة ـ. وكان على العالم إذن أن يأخذ صورة وشكل الحداثة الغربية، صورة شرعت بإيديولوجيا السوق الخالية من أي واقعية إنسانية. مع الهجوم على نيويورك وواشنطن تعرضت المفاهيم التوافقية -والتي كانت ترى في العولمة حدثاً تاريخياً وقدراً لا راد له- إلى التهشم، وعدنا إلى الأرضية الكلاسيكية للتاريخ حيث الحروب لا تقوم على الإيديولوجيات وإنما على أساس التاريخ، العرق، الأرض وبالسيطرة على الموارد الطبيعية.
إن الذين هاجموا مبنى البنتاغون مستخدمين في ذلك السكاكين الصغيرة والمحمولة وكذا الطائرات أسلحةً، من الممكن أن يكون هناك من تبناهم أو حتى مولهم، لكن لا يوجد هناك سبب واحد يدفع نحو الاعتقاد بأنهم تحركوا بأمر حكومة ما. لقد كانوا جنوداً من نوع جديد تماماً من جنود الحرب، وجزءاً مكوناً أساساً من ضعف الدول المرتبطة بالعولمة، فالحرب خرجت هي الأخرى من سيطرة الحكومات. إن احتكار وتنظيم العنف هو أحد أسس سلطة الدولة الحديثة، والدولة التي نمت ببطء وبعد عناء كبير لا تجد نفسها بمأمن أينما وجد العنف بكل أشكاله، إلا أن الغريب والعام في الوقت نفسه هو هذه السرعة وهذا الاتساع الذي اختفت فيه الدولة تقريباً خلال العشرية الأخيرة الماضية، عهد عولمة ينوء فيه العالم بدول منهارة، وفي هذا الجزء نصارع الحرب بأسلحة غير عادية من النزاعات السياسية والجماعات الدينية والعشائرية تميل إلى وحشية صارخة لا توجد سلطة تستطيع فرض السلام.
تبين هذه الأحداث الجانب الأسود من العولمة، والتي لطالما حاول مؤيدوها مراقبتها وتدبيرها وتبين أن تكون حتى المجتمعات الغنية ليست بمنأى عن عدوى انهيار الدول والنوع الجديد من الحروب التي باتت تجتاح كل أرجاء العالم. وكان هذا واضحاً منذ زمن مع تدفق المهاجرين من الدول الفقيرة وطالبي اللجوء السياسي والاقتصادي الذين بضغطهم على حدود الدول الغنية يشهدون على تناقضات السوق العالمية الحرة. فالتجارة ورأس المال يتحركان بحرية كاملة عبر العالم، لكن حركة العمل جد محدودة على عكس دولة رجال الأعمال في نهاية القرن 19 حيث كانت الحواجز شبه منعدمة، وهذا تناقض آخر لا يرصده المدافعون عن السوق العالمية ولكنه سيكون أكثر حدة في السنوات القادمة.
مع الهجوم على نيويورك وواشنطن لم يعد أحد يستطيع تجاهل انهيار بنيات الحكومات والتي تُعَدُّ إحدى المنتوجات الموازية للعولمة، عن الأسلحة القديمة والمهترئة القادمة من أكثر المناطق تضرراً في العالم، برهنت على قدرتها على الوصول إلى قلب أغنى وأقوى دولة في العالم. ثم إن عنف الضربة هو مثال عما يسميه المحللون العسكريون >الرعب اللامتماثل< أو بعبارة أخرى قدرة سلاح الضعيف على مواجهة القوي والذي بدا للعيان أن القوي هو أضعف مما نتخيل، إن فقدان هذا القوي للقدرة ليس جديداً، لقد بدا واضحاً أثناء >الحرب على المخدرات< فتجارة المخدرات - إلى جانب النفط والسلاح - في أحد ثلاث مكونات للتجارة العالمية شأنها شأن الجريمة المنظمة فقد انتعشت هذه التجارة في سياسة التحرير التي أبدعتها العولمة المالية، أصدرت الدولة الأغنى في العالم ملايير في حرب دون طائل ضد صناعة معولمة وعالمية، لذا فإن الحرب الجديدة على الإرهاب واقتلاعه ستكون صعبة المنال لأن تدارك الآثار السيئة لتجارة المخدرات وتقليص الخسائر تَمَّ عبر تنقيتها وشرعنتها، ولا يوجد حل مماثل لعلاج الإرهاب وإرهاب العولمة.
إن العمليات الإرهابية وتدمير المراكز التجارية لم تعكس فقط مدى الدمار وفقدان الأرواح ووهن الأمن ووكالات الاستخبارات بقدر ما أزاحت المعتقدات التي أسست للسوق العالمية. في الماضي كان المستثمرون يعرفون بأن العالم سيظل مكاناً خطيراً بألوان الثورات والحرب قد تعصف بأرباحهم في أية لحظة. لكن خلال العشرية الأخيرة، وبفعل تأثير النظريات المضحكة عن >نهاية التاريخ< التي دفعت للاعتقاد بأن تقدم التجارة الليبرالية لا تقاوم فإن الأسواق المالية قد حددت سعر وثمن هذا الاعتقاد من خلال الأزمة الأسيوية والعجز الروسي سنة 1998 وسقوط الرأسمال للمدى الطويل. هذا كله أزاح الاعتقاد الأعمى في الأسواق والعولمة نفسها.