من المهم هنا التذكير كيف أن العولمة قدمت وعوداً أو أحلاماً ما بتحويل العالم إلى سوق حر كوني لا يعير اهتماماً للتاريخ وللقيم ولعمق الاختلافات ومرارة الصراعات حيث جمعت كل الثقافات في حضارة كونية واحدة. والغريب كيف أن فلسفة السوق الليبرالية والعولمة تشبه إلى حد كبير الماركسية، فهما في الأصل ديانتان علمانيتان حيث الآمال والرغبات المسيحية منحت ضياءً لهما، كلاهما ينظر إلى التاريخ على أنه نتيجة تطور الأجناس التي اكتسبت المعرفة والثروة وأشعت في حضارة كونية ونظرت إلى الكائن البشري انطلاقاً من مبررات اقتصادية. فهم إما منتجون أو مستهلكون ـ في العمق ـ مع القيم والحاجات نفسها. وأصبح الدين على الطريقة القديمة ظاهرة هامشية مصيرها الانقراض أو الزندقة داخل دائرة أو طبقة خاصة حين لن يستطيع إثارة السياسات والثغرات والحروب المشتعلة. أما تاريخ الجرائم والمآسي فالإشارة إليها تجد أصولها في الطبيعة البشرية. فهي أخطاء يمكن إصلاحها بتحقيق تربية أفضل ومؤسسات سياسية ومستوى عيش أحسن. غير أن الخلاف بين الماركسيين والسوق الحرة هو حول النظام الاقتصادي الأفضل فهم على قلب رجل واحد. عقيدة التنوير هذه تلقى استجابة كبرى ـ بالنظر إلى عدد المثقفين الذين بشروا بها، ولكنها في الوقت نفسه تشكل نوعاً من الدوغماتية والتبشيرية (Missiona r y site) .
بالنسبة لليبرالية السوق ـ كما بالنسبة للماركسيين ـ هناك طريقة وحيدة للتحديث، على كل المجتمعات تبني السوق الحرة، وإذا كانت ديانتهم ونظام العائلة لديهم يعيقان هذا الأمر فإن المشكل يكون في غاية السوء ولكنه مشكلهم على أية حال. وإذا كانت القيم الفردانية التي يتطلبها السوق الحر تتماشى وتتناسب مع مستوى عالٍ من التفاوت الاجتماعي ومعدل مرتفع من الجريمة فليكن، فهذا ثمن وضريبة التقدم، وإذا كانت دول بأكملها تنهار حسناً، >لا يمكنك صنع العجة دون كسر البيض