فهرس الكتاب

الصفحة 8222 من 27364

عبد الرحمن فرحانة 23/4/1425

قبيل الإعلان عن نتائج قمة تونس التي انعقدت في 23/24 من مايو 2004م خرج علينا أمين الجامعة العربية عمرو موسى بتصريحات متفائلة قائلاً: إن في قرارات القمة مفاجأة غير سارة لأعداء العرب. وانتظرنا مفاجأة القمة السارة لنا باعتبارنا نعيش حالة عطش سياسي في هذا المناخ العربي القاحل.

لم يطل انتظارنا، وكما عهدنا العهد الأندلسي الجديد؛ فإذا بالقمة تقلب المفاجأة السارة إلى كارثة عربية هللت لها الصحف العبرية بعناوين عريضة وعلى صدر صفحاتها الأولى مشيدة بالتعقل والحكمة العربية ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني!

القمة الرشيدة لم يحركها مشهد العجوز الفلسطينية التي بدت تبحث عن دواء لها بين أنقاض بيتها الذي سحقته الجرافات الصهيونية في رفح ، وكان قلب القاتل على الضفة الأخرى أرق من القلوب العربية الرسمية الصخرية حينما صرح ليبيد وزير ما يسمى بوزارة العدل الصهيونية قائلا: لقد ذكرتني تلك العجوز بجدتي في الهولوكوست اليهودي أيام النازية.

الهولوكوست اليهودي التاريخي تحرك في قلب هذا القاتل حينما نبشه المشهد الفلسطيني ، بينما أبناء جلدتها بدلاً من أن يغيثوا هذه العجوز الفلسطينية التي اكتحلت عيناها المتجعدتان بغبار منزلها الذي سحقته جرافات شارون، بدلاً من النصرة أو الإغاثة؛ تقوم القمة العتيدة بحرق مظلومية مشهد هذه العجوز، وتسقط شرعية المقاومة التي تدافع عنها.

أدانت القمة العتيدة"العمليات التي تستهدف المدنيين (بدون تمييز) ؛ لأنها"لا تخلف إلا العنف والعنف المضاد ، باعتبارها لن تؤدي إلى إقامة السلام الذي تحتاج إليه المنطقة". وعندما طلب الوفد اللبناني حذف جملة (بدون تمييز) تعللت القمة بخطاب عرفات الذي أدان فيه كافة العمليات التي تستهدف المدنيين من الجانبين وذلك في خطابه للقمة، وبذلك جعلوها في رقبة عرفات ."

ليس جديداً على الموقف العربي الرسمي ألا يكون مكافئاً للحالة الفلسطينية ، ولكن الجديد أن يسقط القرار العربي في هذه الهوة العميقة من حيث"تجريم"المقاومة، ومساواة الجلاد مع الضحية، مع ما يتضمنه هذا القرار من حرمان للمقاومة الفلسطينية من أقوى أسلحتها في المواجهة مع الكيان الصهيوني.

القرار العربي هذا جاء على قاعدة صفقة بين الإدارة الأمريكية والعرب، مفادها أن تنحى الأنظمة هذا المنحى الخطير مقابل أن تخفف الإدارة الأمريكية من الضغوط فيما يتعلق بمتطلبات الإصلاح التي تقتضيها مبادرة الشرق الأوسط الكبير، بمعنى أن العرب باعوا المقاومة مقابل شرعية البقاء السلطوي.

المنطق السياسي يقول إنه كلما شدد العدو الصهيوني على الفلسطينيين من المفترض أن يزيد التأييد العربي لهم باعتبارهم العمق الاستراتيجي، ولأن فلسطين مجرد الوكر الذي تبيت فيه الأفعى الصهيونية بينما سمومها تستهدف العالمين العربي والإسلامي ، ولكن المعادلة العربية المقلوبة: كلما زاد الضغط الصهيوني خضع الموقف العربي أكثر بمفاعيل الهيمنة الأمريكية . ولو قرأنا الخط البياني للموقف العربي منذ بداية الانتفاضة الحالية؛ لوجدناه منحدرًا نحو الأسفل بسرعة صاروخية، إذ إن سقفه في البداية وصل لحد الشجب والإدانة مع تقديم المعونات الإنسانية ، ثم انحدر نحو الصمت مع الاستمرار في تقديم المعونات الإنسانية ، ثم انحدر نحو الصمت والمشاركة في الحصار ومنع المعونات الإغاثية ، ثم انتقل نحو تجريم المقاومة بإدانة العمليات الاستشهادية - أقوى اسلحتها - ، وأخيراً انحدر الموقف العربي نحو التواطؤ والضغط على الفلسطينيين للموافقة على أجندة شارون . وتشير بعض المصادر الصحفية في هذا الإطار أن مع عرفات مهلة حتى الخامس عشر من حزيران ليقرر حول موافقته على خطة شارون ، وما تتضمنه من تنازله عن إدارة الملف الأمني وانتقاله إلى غزة باعتبارها نموذج الدولة الفلسطينية الاختباري وفق الطرف العربي الذي طرح العرض ، بينما المؤشرات تنبئ أن العرض هو غزة أولاً وأخيرًا ، حيث تتنبأ بعض المصادر أن الضفة سيتقاسمها دور وظيفي من مثلث الأطراف: الأردن و"إسرائيل"والفلسطينيين . وفي المحصلة الدولة الفلسطينية هي غزة فقط.

وعودة لقرار القمة المتعلق بإدانة العمليات الاستشهادية؛ فماذا يعني هذا القرار ؟

لو قدر لهذا القرار أن يترجم ميدانياً، وبفضل الضغط الأمريكي ستُجبر الأطراف العربية على ترجمته ، مما يعني قطع الطرق على المقاومة وبالذات ستُمنع حماس من الثأر لقادتها التي وعدت بالانتقام لهم، هذا في المدى المنظور القريب. وفي أفق أبعد سيتحول هذا القرار لمحرقة للمقاومة، لأن أمريكا ستطلب بعد أية عملية استشهادية من كل العواصم العربية أن تستنكرها ، وستمنع هذه العواصم من استضافة أو السماح لقادة المقاومة أن يتواجدوا على أراضيها.

فهل باعت القمة المقاومة في السوق الأمريكي الرخيص مع أن بوش لن يدفع الثمن؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت