فهرس الكتاب

الصفحة 2249 من 27364

د. إبراهيم الناصر 10/2/1426

من المُتّفق عليه أن هناك قواسم مشتركة بين البشر تجعلهم يتوافقون على كثير من مُخرجات العقول، هذه المُخرجات عبارة عن قيم مدنيّة معروفة في كل الأمم والمِلل وهي جزء من المشترك الإنساني.

والتجارب البشرية حال نضوجها هي مصدر مهم لتطوير حياة الإنسان، خاصة إذا كانت فيما تركه الدين للعقل البشري المتجرّد، وهو العفو حسب مصطلح الشّرع، وإنما جاءت الشرائع بضبطها وتهذيبها من الانحراف.

والاستفتاءات (الانتخابات) في أصلها دون ما طرأ عليها أو علق بها من ثقافات الممارسين؛ لتقرير ما يُجمع عليه الناس أو أغلبهم هي من هذا النوع، وفي حياة العرب القديمة نماذج لهذا الأصل وفي سيرة المصطفى -عليه الصلاة والسلام- وخلفائه الراشدين كذلك، ففي بيعة العقبة الثانية طلب عليه الصلاة والسلام من الأنصار ترشيح نقيب لكل عشيرة، وبعد مقتل الفاروق -رضي الله عنه- أجرى عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- استفتاء كان نتيجته تولي عثمان بن عفان خلافة المسلمين، وعندما يتعذر الإجماع في تقرير الحكم الشرعي الفقهي العام يكون الاعتبار لاجتهاد الأغلبية؛ ففي المجامع الفقهيّة اليوم والهيئات العلمية الشرعيّة يصدر الموقف الشرعي أو الفتوى العامة برأي الأغلبيّة، حتى تقرير المذهب في المدارس الفقهيّة المشهورة يتم في كثير من الأحيان بالرأي الغالب أي برأي الأغلبية، فمثلا المذهب لدى الحنابلة المتوسطين ( المرحلة الوسيطة للمذهب) هو ما اتفق عليه الشيخان أبو البركات المجد بن تيمية صاحب المحرّر، وأبو محمد ابن قدامة صاحب المغني، فإن اختلفا فالمذهب من يوافقه القاضي أبو يعلى الحنبلي، والمتأخرون منهم يقرّرون المذهب فيما اتفق عليه المرداوي في التنقيح، والفتوحي في المنتهى، والحجاوي في الإقناع فإن اختلفوا، فما اتفق عليه اثنان منهم، وقول الجمهور في كتب الخلاف العالي الذي يترجح على غيره في الغالب عند أهل العلم هو رأي ثلاثة من الأئمة الأربعة للمذاهب الفقهية السائدة، وفي جميع هذه الأمثلة نلحظ أن هناك تقارباً بين المستفتَين (بفتح التاء) من حيث العدالة والعلم، أي الصفات المعتبرة لتحقيق مقصد الاستفتاء، وهو أشبه ما يكون بضابط المشروعيّة للاستفتاء.

وفي عالمنا المعاصر برزت الانتخابات كعنوان على الديمقراطية الغربيّة، ورمز لآلية تحقيقها، والديمقراطية الغربية هي أحدث ما توصّلت إليه مسيرة الحداثة الغربية بعد صراعات وحروب وثورات أنهت عصور الاستبداد وحكومات الإقطاع، وكان مما دعم الاستبداد في تاريخ أوروبا الكنائس النصرانية التي كان عليها قساوسة يدينون بالنصرانية المحرّفة؛ إذ دعموا الظلم والاستبداد، ووقفوا في وجه العلم والتطور حتى انتهت المعركة بهزيمة الاستبداد، ومن يقف معه وهي الكنيسة الممثلة للدين المحرّف؛ فقامت الحداثة الغربيّة المعاصرة على أساس استبعاد الدين وقيمه وثوابته من الحياة، وهذا موقف أصلي غير قابل للإصلاح تشكّل موقف هذه الحضارة على أساسه، فصارت حضارة علمانية تستبعد الدين - أي دين - في أصل تكوينها وتستبعده من كل فعالياتها، أو على الأقل لا تأبه به، ومبدأ آخر قامت على أساسه هذه الحداثة الغربية كرد فعل للاستبداد هو الحرية، وانبثق من هذا المبدأ قضية الحقوق (حقوق الإنسان) ، وقضية المساواة، وعدم التمييز الذي يتعارض في كثير من الأحيان مع مبدأ العدل الذي قامت عليه الأديان السماوية، وكذلك قضية الديمقراطية وآلياتها، كل ذلك في ظل فكرة العلمانية المستبعدة لاعتبار قيم الدين في كل هذه المبادئ والقضايا.

ولذا فإن الأسس الفكرية التي قامت عليها هذه الحضارة، وما انبثق عن هذه الأسس من قيم شكّلت مذهباً وشريعةً (إيديولوجية) مخالفة لشريعة الإسلام ومذهبه، وإقامة الدين وتحقيق التوحيد هو في مباينة هذه الحضارة فيما هو من مكوّنات وقيم هذه الإيديولوجية، والديمقراطية هي إحدى منجزات هذه الحضارة المادّية اللادينيّة، وهي عبارة عن فلسفة وآليات وممارسات، فلسفتها تقوم على أساس حرية الناس في اختيار النظام العام الذي يحكمهم، والدستور الذي ينظمهم والقانون الذي يقضي بينهم، وهو ما يُسمّى دستورياً بسيادة الشعب، الذي هو الثابت، وما عداه متغير مناقضاً بذلك مبدأ سيادة الشريعة في الإسلام، أمّا آليّة الديمقراطيّة فهي الانتخابات بصيغتها الغربية التي لا تميز بين بَرّ وفاجر، ولا بين عدل وفاسق ترشُّحاً وترشيحاً، مخالفة طريقة الإسلام في اشتراط العدالة والكفاية في العمال والولاة، وأما الممارسة فهي قائمة على مبدأ حرية المرشَّح، والمترشِّح في ركوب وسائل عديدة ولو كانت مخالفة لتحقيق الفوز، هذه الديمقراطية بمكوناتها الثلاثة عُولمت إلى معظم بلدان العالم بسبب هيمنة الحضارة المنتجة لها، وبسبب أن البديل في الواقع لها هو الاستبداد الظالم والإقطاعية السياسية، فهي أخفّ الضررين عند كثير من أبناء الشعوب المحكومة بأنظمة استبدادية.

والناس في الموقف من الديمقراطية على مذاهب أربعة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت