الأول:القبول المطلق لها؛ فلسفةً وآلياتٍ وممارسةً وهو موقف تيارات الإصلاح التغريبية في عالمنا الإسلامي وجميع الأحزاب والتيارات العلمانية.
الثاني:رفض الديمقراطية فلسفةً وقبولها آليةً وممارسةً، وعلى هذا الموقف معظم التيارات الإسلامية السياسية، ومنها بعض المدارس المنتمية لمدرسة الإخوان المسلمين والمتأثرة بها وبعض التيارات السلفيّة.
الثالث: رفض الديمقراطية فلسفةً وآليةً وقبولها ممارسةً - بضوابط - باعتبار أنها حاجة عامة تنزل منزلة الضرورة حسب القاعدة الفقهيّة المشهورة، أي أن أصحاب هذا الموقف يمارسون هذه الآليّة لا باعتبار جوازها، وإنما باعتبار الضرر الذي يحصل بالإعراض عنها، وهو موقف وسط بين الموقف السابق والموقف اللاحق، وعلى هذا الموقف بعض مدارس التيار السلفي العلمي.
الرابع:رفض الديمقراطية فلسفة وآلية وممارسة؛ باعتبار أن هذه الفلسفة مبدأ يعطي البشر حق الله في التشريع حسب دساتير معظم البلاد الإسلامية، وأن الآلية ذريعة إلى تحقيق هذه الفلسفة، وعلى هذا الموقف بعض التيارات الدعوية خاصة المتأثرة بمدرسة سيد قطب الفكريّة.
هذه أهم المواقف التي تظهر في الساحة الفكرية السياسية للنخب الفاعلة في المجتمعات الإسلامية حول الديمقراطية؛ فلسفة وآليات وممارسة، فإذا استبعدنا الموقف الأول لظهور بطلانه، وافترضنا أن أصحاب الموقف الثاني أو جلّهم عند التحقيق سيؤول موقفهم إلى الموقف الثالث، نستطيع أن نقول بأن الموقفين الأخيرين هما الأبرز داخل التيارات الإسلامية والمدارس الدعوية، وهما موقفان اجتهاديان مقبولان تجاه الديمقراطية خاصة في المجتمعات التي لا تسود فيها الشريعة، وهكذا موقف أبرز الرموز العلمية المعاصرة؛ فالشيخ ابن باز أقرب إلى الموقف الثالث، والشيخ الألباني أقرب إلى الموقف الرابع، ولاستكمال الصورة أقول: إن الممارسة الانتخابية تجري لثلاثة أنواع من المجالس في الغالب هي:
1-المجالس النيابية (البرلمانات) ، ومعظم الأدبيات التي شكلت المواقف الأربعة السابقة تتجه إلى هذا النوع من الانتخابات بالدرجة الأولى، ويمكن أن نقول عنها: إنها انتخابات عامة لشأن عام.
2-المجالس البلدية وما شاكلها، وهي انتخابات عامة لشأن متخصص.
3-الهيئات المهنية: كهيئة المهندسين وهيئة الأطباء والغرف التجارية ونحوها وهي انتخابات خاصة لشأن متخصص.
فالإشكالية الشرعية في هذه المجالس تكون بقدر ما يكون فيها من صلاحيات تشريعية يمكن أن تعارض أحكام الشريعة الإسلامية في الدرجة الأولى، وبمقدار ما يكون فيها من تنظيمات تكون ذريعة لمخالفات شرعية، أو لا يعتبر بها تحقيق مقاصد الشارع من قبل أعضاء يجهلون أحكام الشريعة، أو يتهاونون بها جاءت بهم الانتخابات بصيغتها الغربية، ولذلك فإن المجالس المسؤولة عن الشأن العام كالمجالس النيابية هي أهم هذه المجالس وأخطرها، وتقلّ هذه الأهمية كلما كانت مهمة المجلس شأناً متخصصاً، وأما الانتخابات بصيغتها الغربية فإشكاليّتها أنها قد تأتي بمن لا يتوفر فيه الحد الأدنى من شروط مَن يمثل الأمة، وصفات مَن يتولى الوظيفة، وبما تحمله من تجاوزات شرعيّة أثناء الممارسة، ويظهر هذا عندما تكون انتخابات عامة أكثر منها عندما تكون خاصة، ولذا فإن الإشكال الشرعي أكثر ما يكون ظهوراً عندما تكون انتخابات عامة لشأن عام منها عندما تكون خاصة لشأن متخصّص، وفيما يخصّ الانتخابات التي جرت في السعودية للمجالس البلدية، فهي من النوع الثاني أي انتخابات عامة لشأن متخصص، وحتى نتصور الواقع لدينا لا بد أن نعلم أن المجالس البلدية التي تجري لها انتخابات عامة في التجربة البشرية على أنواع ثلاثة:
1-مجالس بلدية مهمتها الحكم المحلي في المدينة كما في الولايات المتحدة، وهي تشبه شكلاً مجالس المناطق في نظام مجالس المناطق في السعودية.
2-مجالس بلدية يقع تحت مسؤوليتها جميع الخدمات في المدينة أو المنطقة كما هي في معظم البلدان التي تجري انتخابات بلدية.
3-مجالس بلدية مسؤوليتها نطاق مسؤولية البلديات المسؤولة عن جزء من الخدمات، وليس جميع الخدمات، وهي صورة المجالس البلدية التي تمّ انتخاب نصف أعضائها في السعودية، فإذا علمنا أننا نتكلم عن النوع الثالث من المجالس ندرك أن الأثر السلبي المترتّب على تشكيل هذه المجالس بواسطة آلية متأثرة بثقافة منتجيها سيكون أخفّ؛ لأنها محدودة الميدان وهي مجالس تُعنى بقضايا فنية خدميّة في الغالب، وهذا الكلام لا يُقلّل من التنبّه لبعض الجوانب التنظيميّة (التشريعيّة) التي ستكون من مسؤوليتها مثل: فرض الرسوم والتنظيمات المتعلقة بخدمات الترفيه للرجال والنساء، وكذلك المتعلقة بالأراضي، واحتكارها باعتبار أنها حاجة من حوائج الإنسان الأساسية، وهو المسكن، وأمثال ذلك فإن هذه مجالات يجب على المجالس ألا تخالف فيه أمراً شرعياً أو تسنّ نظاماً يكون ذريعة إلى محرّم، وينبغي على المجتمع عامة والمحتسبين خاصة مراقبة هذه المجالس والاحتساب عليها عند المخالفة