محمود المبارك 9/1/1427
يحتار الغرب في فهم مواقف المسلمين من الحريات الديموقراطية ويتساءل: لماذا تضيق عقول المسلمين عن قبول الرأي الآخر خاصة إذا كان الأمر يتعلق بالحريات الدينية؟ ولماذا يأبى المسلمون الحرية الغربية التي طالما حلموا بها في بلادهم؟ ثم كيف يجحد المسلمون المقيمون في الغرب نعمة الحرية التي وفرت لهم مناخ العبادة والحرية الدينية والسياسية، الأمر الذي لم توفره لهم دولهم ذاتها؟
أسئلة لا يكاد المواطن الغربي يجد لها جواباً إلا أن يكون السبب هو الإسلام ذاته؛ إذ يبدو أن الدين الإسلامي والديموقراطية"ضدان لا يجتمعان"كما قال (صاموئيل هنتنجتون) من قبل.
وما غياب الديموقراطية -التي انتشرت خلال العقدين الماضيين فوسعت العالم كله من شرق ولايات الاتحاد السوفييتي السابق إلى دول أمريكا اللاتينية باستثناء البلاد الإسلامية إلا تأكيد لهذه النظرة.
من هذا المنطلق، قد ينظر الغرب إلى تعنّت المسلمين في عدم قبولهم وجهات النظر التي عبرت عنها بعض الصحف في تعديها على رسول الإسلام - صلى الله عليه وسلم - على أنه ضيق أفق عند المسلمين بسبب معتقداتهم الدينية. ولو اتسعت أفهام المسلمين للرأي الآخر -كما يُقال- لقلت هوة الخلافات الإسلامية الغربية ومنها الخلاف الحالي.
بيد أن هذا الخلاف الإسلامي الغربي الجديد الذي ظهر شعبياً في صورة مقاطعة، مدعومة ضمناً من حكومات عربية، قد استفحل الآن وبدأ يأخذ طابعاً قانونياً دولياً؛ إذ هدد الاتحاد الأوروبي برفع قضية قانونية إلى منظمة التجارة الدولية ضد الدول المقاطعة لأي منتجات أوروبية.
ويبقى السؤال: هل تجيز القوانين الغربية التعدي على الأديان بحجة الحرية الديموقراطية؟ أم أن الحرية الغربية قد جاوزت حدودها هذه المرة حين أساءت إلى نبي يقارب عدد أتباعه ملياراً ونصف المليار؟
حرية ديموقراطية أم إساءة دينية؟
قبل الخوض في التفاصيل القانونية المتعلقة، قد يكون مفيداً الإشارة إلى أن الحريات في الغرب وإن كانت في ظاهرها مطلقة، إلا إنها مقيدة بضوابط قانونية تحميها من التعارض مع قواعد الأخلاق والمصالح العامة وحقوق الآخرين والقوانين الداخلية والدولية.
بل إن الدول الأوروبية -التي عانت كثيراً من الحروب الدينية فيما بينها- قد وضعت عدداً من القوانين الداخلية والدولية التي تحد من حق الحرية الفردية والجماعية، الغاية منها تقليل هوة الخلافات بين دول وشعوب أوروبا؛ لأنه كلما ضاقت دائرة الخلافات بين الشعوب كلما قلت احتمالات نشوب حروب بينها، فحرية الرأي إذاً وإن كانت مكفولة بموجب الدساتير الغربية جميعاً، إلا إنها لا يجوز أن تكون سبباً في فرقة الكلمة وتشتيت الشمل.
وليس هذا حكراً على أوروبا فحسب، بل هو اليوم السياسة العامة في العلاقات الإنسانية الدولية، وهو الأمر الذي لأجله أُنشئت المنظمات الدولية والإقليمية، ومنها منظمة الأمم المتحدة، فقد نصت ديباجة ميثاق الأمم المتحدة على أن الهدف من هذا الميثاق هو"تطبيق التسامح بين الشعوب لتحقيق وحدتها". ومعلوم أن الاعتداءات على الأديان -وإن كانت كلامية- لا تعين على تحقيق التقارب والانسجام الإنساني المنشود، بل قد تكون سبباً للفرقة البشرية كما يحدث اليوم.
وقد أكدت المادة الثالثة (1) من الميثاق هذا المعنى؛ إذ بينت أن من الأهداف الرئيسة لإنشاء الأمم المتحدة"تشجيع احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع من غير تمييز ضد العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين"، وغني عن القول: إن نبز دين الإسلام بنعته دين الإرهاب في شكل رسوم كاريكاتيرية أمر لا يحمل احتراماً لأتباع هذا الدين الذين تزيد نسبتهم عن خمس البشرية.
كما أن إعلان مبادئ القانون الدولي الصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة بالقرار رقم 2625 (1970) نص على: إنه"ينبغي على الدول أن تتعاون فيما بينها لتعزيز الاحترام الدولي ومراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع ولإزالة التعصب الديني". وواضح أن الاعتداءات على الأنبياء الذين يمثلون رموز الأديان أمر لا يعين على إزالة التعصب الديني، بل يزيده.
وقد تبع هذا القرار إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاص بإزاحة جميع أشكال عنصرية الأديان والمعتقدات بموجب القرار رقم 36/55 (1981) ، والذي يقضي في المادة الثالثة على أن"إهانة واحتقار الأديان يُعدّ خرقاً لميثاق الأمم المتحدة"؛ إذ هو يُعدّ"عائقاً لتحقيق العلاقات الأخوية السلمية بين الدول الأعضاء". ولا يماري أحد أن احتقار أنبياء دين معين هو احتقار للدين وأتباعه. ولأجل هذا، كان لزاماً على الدولة التي يحدث فيها نوع من أنواع الاحتقار الديني أن توقف تلك الإهانات بصفتها انتهاكاً للقانون الدولي، كما بينت ذلك المادة الرابعة من نفس الإعلان السابق الذكر في: إنه"يجب على جميع الدول أن تأخذ الخطوات الكفيلة بمنع وإزالة التعصب المبني على أسس دينية أو عقائدية"، وبالتالي فإن مسؤولية الدولة القانونية تلزمها باتخاذ إجراءات معينة ضد الإهانات التي تلحق بالأديان.