فهرس الكتاب
رأي أبي محمد المقدسي ( فك الله أسره )
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.. وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له هو حسبنا ونعم الوكيل... وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله هو قائدنا وأسوتنا صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين...
وبعد:ـ
فهذه ورقات سطرتها على عُجالة بين يدي الانتخابات البرلمانية التشريعية الشركية، وذلك بعد أن فُتِن النّاس بفتنة الديمقراطية، وجادل عنها المجادلون من الطواغيت المنخلعين من الدين أو ممن لبسوا لباس الدين والدعوة إليه… ولبّسوا الحق بالباطل، فتارة يسمونها حرية… وتارة شورى، وتارة يحتجون لها بولاية يوسف عليه الصلاة والسلام عند الملك، وتارةً بحُكم النجاشي… وأخرى بالمصالح والاستحسانات… ليُموّهوا الحق بالباطل على الطغام، وليخلطوا النور بالظلام، والشرك بالتوحيد والإسلام… وقد رددنا فيها بتوفيق الله تعالى على جميع هذه الشبه وبيّنا أن الديمقراطية دين غير دين الله وملّة غير ملّة التوحيد، وأنَّ مجالسها النيابية ليست إلا صروحاً للشرك ومعاقل للوثنية يجب اجتنابها لتحقيق التوحيد الذي هو حق الله على العبيد بل والسعي لهدمها ومُعاداة أوليائها وبُغضهم وجهادهُم... وأنَّ هذا ليس أمراً اجتهادياً كما يحلو لبعض الملبِّسين أن يجعلوه... بل هو شركٌ واضحٌ مستبين وكفرٌ بواحٌ صراح قد حذر الله تعالى منه في محكم تنزيله، وحاربه المصطفى صلى الله عليه وسلم طيلة حياته...
فاحرص أخا التوحيد أن تكون من أتباع صلى الله عليه وسلم وأنصاره الذين يُنابذون الشرك وأهله، وبادر في ظل هذه الغربة باللحاق بركب الطائفة القائمة بدين الله تعالى، التي قال المصطفى صلى الله عليه وسلم عنها: (لا تزال طائفةٌ من أُمتي قائمةً بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله) . جعلني الله وإياك منهم، والحمد لله أولاً وآخراً.
كتبه
فصل
في بيان أصل الأصول والغاية م ن الخلق وإنزال الكتب ودعوة المرسلين
وملة ابراهيم والعروة الوثقى التي عليها مدار النجاة
اعلم رحمك الله تعالى أنَّ رأس الأمر وأصله وعموده، وأول ما افترض الله على ابن آدم تعلمه والعمل به، قبل الصلاة والزكاة وسائر العبادات، هو الكفر بالطاغوت واجتنابه، وتجريد التوحيد لله تعالى. فلأجل ذلك خلق الله سبحانه الخلق وبعث الرسل وأنزل الكتب وشرع الجهاد والاستشهاد... ومن أجله كانت الخصومة بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ومن أجله أصلاً تقوم الدولة الإسلامية والخلافة الراشدة... قال تعالى: { وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون } (1) أي: ليعبدونني وحدي.. وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كلِّ أمةٍ رسولاً أنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } (2) .
وهذا الأمر أعظم عروة من عُرى الإسلام، و لاتقبل دعوة ولا جهاد ولا صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج إلا به، ولا يمكن النجاة من النار دون التمسك به، إذ هو العروة الوحيدة التي ضمن الله تعالى لنا ألا تنفصم... أما ما سواها من عُرى الدين وشرائعه فلا تكفي وحدها دون هذه العروة للنجاة... قال تعالى: { قد تبيَّن الرُّشد مِن الغَيِّ فمن يكفر بالطاغوت ويُؤمن بالله فقد استمسك بالعُروة الوُثقى لا انفصام لها.... } (3) .
وقال سبحانه: { والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهمُ البشرى فبشر عباد } (4) .
وتأمل كيف قدّم الله الكفرَ بالطاغوت واجتنابه في الذكر على الإيمان به والإنابة إليه سبحانه.. تماماً كما قدم النفي على الإثبات في كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ... وما ذلك إلا تنبيهاً على هذا الركن العظيم من هذه العروة الوثقى، فلا يصح الإيمان بالله ولا ينفع إلا بالكفر بالطاغوت أولاً...
والطاغوت الذي يجب عليك أن تكفر به وتجتنب عبادتَه لتستمسك بعروة النجاة الوثقى ليس فقط أحجاراً وأصناماً وأشجاراً وقبوراً تُعبد بسجود أو دعاء أو نذر أو طواف وحسب... بل هو أعم من ذلك... فيشمل (كلَّ معبودٍ عُبِد من دون الله تعالى بأي نوعٍ من أنواع العبادة وهو غير منكر لذلك) (5) .
فالطاغوت مشتق من الطغيان وهو مجاوزة المخلوق حده الذي خلقه الله له... والعبادة أنواع، فكما أن السجود والركوع والدعاء والنذر والذبح عبادة فكذلك الطاعة في التشريع عبادة... قال تعالى عن النصارى: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله } (6) . وهم لم يكونوا يسجدون أو يركعون لأحبارهم... لكن أطاعوهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال وتواطؤوا معهم على ذلك فجعل الله تعالى ذلك اتخاذاً لهم أرباباً... لأن الطاعة في التشريع عبادة لا يجوز أن تُصرف لغير الله... فلو صرفها المرء لغير الله تعالى ولو في حُكمٍ واحدٍ كان بذلك مشركاً...