فهرس الكتاب

الصفحة 21469 من 27364

ويدل على هذا دلالة واضحة تلك المناظرة التي حصلت في زمن صلى الله عليه وسلم بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان في شأن الميتة وتحريمها، حيث أراد المشركون أن يُقنعوا المسلمين بأنه لا فرق بين الشاة التي يذبحها المسلمون وبين الشاة التي تموت وحدها، بحجةٍ وشبهةٍ أنَّ الميتة إنما ذبحها الله تعالى، فأنزل الله تعالى حكمه في هذه الواقعة من فوق سابع سماءٍ فقال تعالى: { وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } (7) .

فيدخل في مسمى الطاغوت كلُّ من جعل من نفسه مُشرِّعاً مع الله سواء كان حاكماً أو محكوماً، نائباً في السلطة التشريعية أو منوباً عنه ممن انتخبوه... لأنه قد جاوز بذلك حده الذي خلقه الله تعالى له، إذ هو خُلق عبداًلله، وأمره مولاه أن يستسلم لشرعه فأبى واستكبر وطغى وتعدّى حدود الله تعالى، فأراد أن يَعْدِل نفسَهُ بالله ويُشاركه بصفة التشريع التي لا يجوز أن يُوصف بها غير الله عز وجل...وكل من فعل ذلك فقد جعل من نفسه إلهاً مُشرِّعاً، وهذا لاشك من رؤوس الطواغيت التي لا يصح توحيد المرء وإسلامُهُ حتى يكفر بها ويجتنبها ويبرأ من عبيدها وأنصارها...

قال تعالى: { يُريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمِروا أن يكفروا به } (8) .

(1) سورة الذاريات، الآية 56 .

(2) سورة النحل، الآية 36 .

(3) سورة البقرة، الآية 256 .

(4) سورة الزمر، الآية 17 .

(5) يخرج بهذا القيد، من عُبِد من الملائكة والنبيين والصالحين وهو غير راضٍ بعبادته.. فلا يُسمى طاغوتاً ولا يُتبرء منه ولكن يُتبرء من عبادته وممن عبدوه كعيسى بن مريم عليه السلام .

(6) سورة التوبة، الآية 31 .

(7) سورة الأنعام، الآية 121 . وراجع سبب نزول هذه الآية ، فقد رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس بإسناد صحيح .

(8) سورة النساء، الآية 60 .………

يقول مجاهد: (الطاغوت.. الشيطان في صورة الإنسان يتحاكمون إليه وهو صاحب أمْرِهِم) .

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: (ولهذا سُمِّيَ من تُحوكِم إليه من حاكمٍ بغير كتاب الله: طاغوت) (1) .

ويقول ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: (الطاغوت كلُّ ما تجاوز به العبدُ حدَّه من معبودٍ أو متبوعٍٍ أو مُطاعٍٍ؛ فطاغوتُ كلِّ قومٍ مَنْ يتحاكمون إليه غيرَ الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعةٌ لله) (2) .

ويقول أيضاً: (من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسو صلى الله عليه وسلم فقد حكّم الطاغوت وتحاكم إليه) (10) .

فمن أنواع الطواغيت المعبودة من دون الله تعالى في هذا الزمان، والواجبُ على كلِّ موحِّد أن يكفر بها ويتبرأ منها ومن أتباعها ليستمسك بالعروة الوثقى وينجوَ من النَّار؛ هذه الآلهة الزائفة والأرباب المزعومون الذين اتخذهم كثيرٌ من الخلق شركاء مشرِّعين من دون الله تعالى... {أمْ لهم شُركاءُ شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمةُ الفصل لقُضِيَ بينهم...} (3) . حيث تابعوهم على جعل التشريع حقاً وصفةً لهم ولبرلماناتهم وهيئاتهم الحاكمة الدولية أو الإقليمية أو المحلية... ونصوا على ذلك في قوانينهم ودساتيرهم وهو معروفٌ مشهورٌ عندهم (4) فكانوا بذلك أرباباً لكلِّ من أطاعهم وتابعهم وتواطأ معهم على هذا الكفر والشرك الصُراح كما حكم الله تعالى على النصارى لما تابعوا الأحبار والرهبان في مثل ذلك... بل حال هؤلاء شرٌّ وأخبث لأن أولئك الأحبار فعلوه وتواطؤوا عليه ولم يُقننوه أو يُنظموه، ولا جعلوا له دساتير وكتباً ومراسيم، يُعاقب الخارج عنها والطاعن فيها، ويعدلون بها كتاب الله بل تُهيمن وتحكم عليه، كما هو حال هؤلاء...

إذا فهمتَ هذا، فاعلم أن أعظمَ درجاتِ التمسك بهذه العروة الوثقى وأعلى مراتب الكفر بالطاغوت، هو ذِروة الإسلام، أعني جهاده، وجهاد أوليائه وأتباعه والسعي لهدمه، وإخراج النّاس من عبادته إلى عبادة الله سبحانه وحده... ومِن ذلك الصدع بهذا الحق وإعلانه كما كان شأن الأنبياء وطريقتهم التي بيّنها الله تعالى لنا أحسنَ بيان، عندما أمرنا بالإقتداء بملَّة إبراهيم ودعوته فقال: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه (5) إذ قالوا لقومهم إنا بُرءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تُؤمنوا بالله وحده} (6) . فقوله: {بدا} أي ظهر وبان... وتأمل تقديمَ العداوة على البغضاء، لأنها أهم لأنَّ الإنسان قد يُبغض أولياءَ الطاغوت ولا يُعاديهم فلا يكون آتياً بالواجب عليه حتى تحصل منه العداوة والبغضاء...

وتأمل كيف ذكر الله تعالى براءتهم من الأقوام المشركين قبل البراءة مما يعبدون لأنَّ الأولى أهم من الثانية... وذلك لأن كثيراً من النَّاس قد يتبرء من الأصنام والطواغيت أو الدساتير والقوانين والأديان الباطلة ولا يتبرأ من عبيدها وأنصارها وأشياعها... فلا يكون آتياً بالواجب... لكن إذا تبرأ من عبيدها المشركين فهذا يستلزم البراءة من معبوداتهم وأديانهم الباطلة... (7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت