فهرس الكتاب
أما أدنى تلك الدرجات الواجبة على كلِّ مُكَلَّفٍ ، ولا ينجو المرءُ إلا بها... فهي اجتنابُ الطاغوت وعدم عبادته أو مُتابعته على شركه وباطله.. قال تعالى: {ولقد بعثنا في كلِّ أمةٍ رسولاً أنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} (8) . وقال تعالى: {واجتنبوا الرجس من الأوثان} (9) . وقال عن دعاء إبراهيم: {واجْنُبْنِي وبنيّ أن نعبد الأصنام} (10) . وهذا إنْ لم يحققه المرءُ في الدنيا فيجتنبَ الطاغوت وعبادته أو متابعته الآن، فسيكون في الآخرة من الخاسرين... ولن ينفعه أو يُغنيَ عنه وقتها شيء آخر من الدين إن فرط بهذا الأصل الأصيل، وسيندم حين لا ينفع الندم حيث سيتمنى لو يرجع إلى الدنيا ليحقق هذا الركن العظيم وليستمسك بهذه العروة الوثقى، ويتبع هذه الملّة العظيمة...
(1) مجموع الفتاوى: ج28 ص201 .
(2) 10) اعلام الموقعين عن ربِّ العالمين: ج 1 ص 50 .
(3) 11) سورة الشورى، الآية 21 .
(4) 12) نص المادة رقم 51 من الدستور الكويتي: (السلطة التشريعية يتولاها الأمير ومجلس الأمة وِفقاً للدستور) . وأختها غير الشرعية في الدستور الأردني المادة رقم 25: (تُناط السلطة التشريعية بالملك ومجلس الأمة) . ومثلها في الدستور المصري المادة رقم 86: (يتولى مجلس الشعب سلطة التشريع) .
(5) 13) قال بعض المفسرين {الذين معه} : أتباعه أو الأنبياء الذين على طريقته .
(6) 14) سورة الممتحنة، الآية 4 .
(7) 15) مستفاد من: (سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك) لحمد بن عتيق... وراجع رسالتنا: (ملّة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين وأساليب الطغاة في تمييعها وصرف الدعاة عنها) . طبع النور للإعلام الإسلامي .
(8) 16) سورة النحل، الآية 36 .
(9) 17) سورة الحج، الآية 30 .
(10) 18) سورة إبراهيم، الآية 35 .
قال تعالى: {إذْ تبرأ الذين اتُّبِعوا من الذين اتَّبعوا ورأوُا العذاب وتقطَّعت بهمُ الأسباب ( وقال الذين اتَّبَعوا لو أن لنا كرةً فنتبرأ منهم كما تبرءُوا منا كذلك يُريهِمُ الله أعمالهم حسراتٍ عليهم وما هم بخارجين من النار} (1) .
لكن هيهاتَ... هيهات، قد فات الأوان وليس مِن كَرةٍ ولا رجعةٍ إلى الدنيا، فإن كنتَ يا عبد الله ترومُ النّجاة وترجو رحمة ربّك التي كتبها للذين يتقون فاجتنب الطواغيت كلَّها، واتقِ شركهم الآن الآن... فإنه لا يجتنبهم يوم القيامة وينجو من مصيرهم في الآخرة إلا مَن فارقهم واجتنبهم في الدنيا... أما من رضي بدينهم الباطل وتابعهم عليه فإنَّ منادياً في عرصات القيامة يُنادي: (من كان يعبدُ شيئاً فليتبعه، فيتبعُ من كان يعبدُ الشمس الشمس، ويتبعُ من كان يعبدُ القمر القمر، ويتبعُ من كان يعبدُ الطواغيت الطواغيت..) إلى قوله في الحديث عن المؤمنين حين يقال لهم: (ما يحبسكم وقد ذهب النّاس؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا منادياً ينادي،ليلحق كلُّ قومٍ بما كانوا يعبدون وإنما ننتظر ربَّنا) (2) .
فتأمل قولَ المؤمنين: (فارقناهم ونحن أحوجُ منا إليه) أي: فارقناهم في الدنيا... ونحن نحتاج إلى درهمهم ودينارهم وأمور دنياهم... فكيف لا نفارقهم في هذا المقام العظيم... ففي هذا بعض معالم الطريق... ومنه قول الله تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون} (3) . أزواجهم أي: أمثالهم وقرناءهم وأشياعهم وأنصارهم على باطلهم... ثم يقول الله تعالى بعد ذلك: {فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون إنا كذلك نفعل بالمجرمين إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} (4) .
فإياك يا عبد الله أن تُعرض عن كلمة التوحيد وتُفرّط في إثبات ما أثبتته ونفيِ ما نفته وتستكبر عن اتباع الحق وتصر على نُصرة الطاغوت فتكون مع الهالكين... وتُشاركهم في مصيرهم...
ثم اعلم أنَّ الله تعالى ضمّن هذا التوحيد الخالص وهذا الأصلَ الأصيل؛ دين الإسلام، واصطفاه لعباده الموحِّدين، فمن جاء به قُبِلَ منه، ومن جاء بغيره من الأديان رد في وجهه وكان من الخاسرين... قال تعالى: {ووصى بها إبراهيمُ بنيه ويعقوبُ يا بنيَّ إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون} (5) .
وقال تعالى: {إنَّ الدينَ عِندَ الله الإسْلاَم} (6) .
وقال: {ومَن يَبتغِ غيرَ الإسلام ديناً فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} (7) .