أحمد منيسي- القاهرة **
بوش وباول.. من يحتوي من؟
ليس ثمة خلاف حول كون الحادي عشر من سبتمبر 2001 يمثل محطة مهمة في تاريخ العلاقات الدولية، وربما يكمن الخلاف فقط في توصيف طبيعة اللحظة التي تمت فيها الاعتداءات على نيويورك وواشنطن في ذلك اليوم؛ حيث ثمة اتجاهان في هذا الصدد:
الأول: يرى أنها لحظة فارقة أدت إلى تشكيل سياسة خارجية أمريكية جديدة ذات معالم مختلفة عن تلك التي كانت قائمة من قبل.
أما الاتجاه الثاني فيؤكد أنها لحظة كاشفة؛ بمعنى أن السياسة الخارجية الأمريكية التي بدأت تتشكل عقب تلك الاعتداءات لم تكن في الواقع جديدة.. فقد كانت أسس هذه السياسة قائمة بالفعل، وكل ما فعلته أحداث 11 سبتمبر أنها عرّت واقع تلك السياسة، وقدمتها للعالم في صورتها الحقيقية خالية من اللمسات ومحاولات التجميل الزائفة، كسياسة تنزع بشدة نحو الهيمنة على مقدرات عالم ما بعد الحرب الباردة.
حدود الحدث
وبعيدًا عن هذا الخلاف فإن ما يهمنا بالفعل أن أحداث 11 من سبتمبر كانت إحدى المحطات الرئيسية في النظام الدولي لعالم ما بعد القطبية الثنائية، وهو ما يسلم به كل من هذين الاتجاهين، وينبع ذلك من حقيقة أن هذه الأحداث قد أنهت ما عُرف بنظرية الاستثناء الأمريكي؛ فطوال التاريخ كانت الولايات المتحدة مجتمعًا محصنًا ضد الاعتداءات الخارجية، فكل الحروب التي خاضتها، وكل الاعتداءات التي طالت مصالحها.. كانت خارج حدودها.. حتى حادثة"بيرل هاربر"الفريدة أثناء الحرب العالمية الثانية وقعت في أبعد ولاياتها، وهي ولاية"هاواي"التي تبعد 3 آلاف كيلومتر عن اليابسة الأمريكية.
ومن ثم فإن أحداث 11 من سبتمبر التي طالت المعركة إلى عمق الأراضي الأمريكية جاءت كالصدمة التي كان لا بد أن يتبعها تغير مهم في مفهوم الأمن القومي الأمريكي، الذي صار غير قادر على حماية الداخل الأمريكي نفسه.
أبعاد التغير
هذه الصدمة خلقت سياسة خارجية أمريكية مسكونة بمحاربة ما يسمي بالإرهاب، الذي انفردت الولايات المتحدة بتحديد مفهومه وآلية مواجهته والنطاقين الجغرافي والزمني لهذه المواجهة. وصار تأمين الخارج لمواجهة هذه"الشرور"هو الهاجس المسيطر على صنع القرار.
وقد أدى هذا الوضع إلى تعزيز التطرف اليميني للحزب الجمهوري الحاكم في الولايات المتحدة، تحت ما بات يعرف بـ"حزب الإمبراطورية الأمريكية"، الذي يستمد توجهاته السياسية من الأصول الفكرية التقليدية للحزب الجمهوري، ومن الخبرة العملية لسياسات الرئيس الأسبق"رونالد ريجان".
ويشمل حزب الإمبراطورية الأمريكية تيارات عريضة في الحزب الجمهوري، وكذلك الحزب الديمقراطي، والعديد من الحركات السياسية والجمعيات وجماعات الضغط.
ولهذا التوجه مفكروه في العديد من المؤسسات الأكاديمية والمؤسسات الصحفية والمنابر الثقافية والفكرية الأخرى.
وأصحاب هذا التوجه يسمون أنفسهم"الوطنيون الأمريكيون"، وهدفهم هو إقرار مبدأ سمو أمريكا، وعدم قابليتها للمحاسبة في النظام الدولي، وهيمنتها التامة على الساحة العالمية، وإخضاعها للقوى الأخرى، حتى ولو تطلب ذلك استخدام القوة العسكرية الفجة بما فيها السلاح النووي.
وقد صاحب هذا التغير بروز دور المؤسسات العسكرية والأمنية والاستخبارية، على حساب دور الكونجرس. وفي السياق نفسه تراجع مفهوم الأمن الشخصي والحريات العامة لصالح ما سُمي بالأمن المجتمعي.
إستراتيجية جديدة
وقد أفرز هذا التوجه الأمريكي لمحاربة الإرهاب نزوعًا جارفًا نحو الهيمنة، وبات شعار"مكافحة الإرهاب"بعد 11 سبتمبر هو البديل لشعار"مكافحة الشيوعية"زمن الحرب الباردة.
وبدأت السياسة الخارجية الأمريكية تحدث تحولا في السياسة الدفاعية من كونها سياسة تقوم على مبدأ الاحتواء إلى سياسة دفاعية تقوم على مفهوم الهجوم الوقائي.
وفي السياق نفسه وبعيدا عن الوجه السافر لمفهوم الهجوم الوقائي بدأت السياسة الخارجية الأمريكية حملة للتدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى؛ مطالبة بإحداث تغيرات في مناهج التعليم بدعوى أنها تشجع على التطرف وكراهية الآخر.
وبدا العالمان العربي والإسلامي هما المستهدفين الأساسيين من هذه الحملة؛ على اعتبار أن المتهمين باعتداءات 11 من سبتمبر هم من هذه الدول، وقد فعلوا هذا بتحريض مبطن من ثقافة دولهم.
وبهذه الخطوة أرادت الولايات المتحدة بتصور خاطئ عن الإسلام مسخ ثقافة هذه الدول، وإفساح المجال لتكريس النموذج الثقافي الأمريكي، الذي يمثل الأساس الأيديولوجي للسياسة الخارجية الأمريكية الجديدة باعتباره الأرقى، مقارنة بالثقافات الأخرى.
وعلى الرغم من الصراع الحالي الذي تشهده الولايات المتحدة بين من يسمون بالصقور والحمائم في إدارة الرئيس بوش، حول هذا التوجه الجديد للسياسة الخارجية الأمريكية.. فإن مؤشرات القوة تبدو لصالح الصقور الذين يدفعون في سبيل تكريس هذا التوجه الإمبراطوري.