برغم أن الولايات المتحدة لم تعبأ بالتشاور الجماعي داخل مجلس الأمن الدولي، ولا حتى بالطابع الديمقراطي للجمعية العامة للأمم المتحدة، حين قامت بضرب العراق، وكلاهما - مجلس الأمن والجمعية العامة - كانا أصلاً فكرة أميركية بشرت بها العالم سنة 1945م؛ يأتي الرئيس الأميركي جورج بوش ليسوق لنا تلك الديمقراطية - الأكذوبة - على اعتبار أن مشكلة المسلمين الكبرى هي غياب تلك الديمقراطية من مجتمعاتهم ودولهم.
وعلى هذا؛ فحرصاً من بوش على أن يعيش المسلمون في ظلال الديمقراطية الوارفة"التي ستصل إلى الدول العربية في نهاية المطاف"، اعتبر بوش نفسه مبعوث العناية الإلهية للناس؛ ليخرجهم من الظلمات إلى نور الديمقراطية والحرية ف"الديمقراطية والحرية هي خطة السماء للإنسانية"التي يبشر بها بوش.
بوش يفتي المسلمين بأن الديمقراطية لا تتناقض مع الإسلام!
والمستغرب أن بعض المتفيقهين من المسلمين يريدون أن يسوقوا لنا أيضاً هذه الديمقراطية، فيقزمون الموضوع إلى درجة تصوير الديمقراطية؛ أنها مجرد الحرية في اختيار الحاكم من خلال صناديق الاقتراع.
والحقيقة؛ أنها فكرة ناتجة عن تصور كلي للحياة والكون والإنسان، ناجم عن حضارة تختلف اختلافاً جذرياً مع حضارة الإسلام.
فالحضارة الغربية تقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة، وإذا فُصل الدين عن الدولة، فمن الذي ينظم المجتمع والدولة بالأنظمة والأحكام والقوانين؟ إنه الشعب حسب ادعاء هذا المبدأ.
بينما في الإسلام الحاكم والمشرع هو الله سبحانه وتعالى، والأمة هي صاحبة السلطان فقط، فقد أعطاها الشارع الكريم الحق في اختيار الحاكم؛ ولذلك كان عقد الخلافة عقد رضا واختيار، والخليفة نائب عن الأمة في تطبيق الإسلام، فلا الأمة، ولا الحاكم، ولا مجلس الأمة، له الحق فضلاً عن أن يملك القدرة على التشريع.
وحتى نبين ذلك لابد من إبراز عدة نقاط:
1)لا حكم قبل ورود الشرع:
لقد قرر الشرع الحنيف أن الحاكم هو الله سبحانه وتعالى، وبالتالي فإن مصدر الأحكام هو الوحي المنزل على سيدنا محمد ، قال تعالى: {إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} ، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ} ، وقال تعالى: {وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} .
فكل حكم غير حكم الله هو طاغوت: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاَ بَعِيدًا} .
وطريق معرفة حكم الله هو الوحي المنزل على نبيه؛ ولذلك كان أهل الفترة ناجون [1] - وأهل الفترة هم الناس الذين عاشوا بين فترة ضياع رسالة أو تحريفها، ومجيئ رسالة جديدة، قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} -
فالذي يريد أن يسوق الديمقراطية لنا اليوم؛ كمن يدعي أن لا حكم لله، إما رفضاً لهذا الحكم وادعاء أن عقولنا أقدر على الحكم من الله - والعياذ بالله - أو أننا من أهل الفترة، والادعاءان باطلان.
فالعقل لا حكم له؛ لأنه لا يملك الأدوات اللازمة للحكم، والادعاء بإعطاء الحكم للعقل ادعاء باطل؛ لأن الذي يحكم هنا هو الهوى، والميول، واتباع المصالح.
والادعاء الثاني باطل؛ لأن النبي هو خاتم النبيين، ورسالته خاتمة الرسالات السماوية، والتي تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظها من التبديل والتحريف.
إذاً الديمقراطية تعطي الشعب حق التشريع، والإسلام يعطي هذا الحق لله سبحانه وتعالى، وشتان بين الأمرين، فالأول كفر والثاني إيمان.
2)آليات اختيار الحاكم في الإسلام:
الذين يحصرون الديمقراطية في اختيار الحاكم من خلال صناديق الاقتراع يقزمون الموضوع ويتقزمون معه.
فالديمقراطية - كما قلنا - تعطي حق التشريع للشعب، وتعزل الدين في الزاوية أو المسجد، والحديث عن الاستفادة من آليات اختيار الحاكم في الديمقراطية تلاعب بالألفاظ لا ينطلي على أصحاب الفكر المستنير.
فالإسلام ليس خلواً من هذه الآليات...
فقد تم اختيار أبو بكر الصديق خليفة للمسلمين من خلال أهل الحل والعقد في سقيفة بني ساعدة, ثم ما لبثت الأمة أن بايعته رضي الله عنه في اليوم الثاني في المسجد بيعة الطاعة.
أما الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فقد رشحه سيدنا أبو بكر رضي الله عنه ورضيت الأمة بهذا وبايعته.
أما في بيعة عثمان رضي الله عنه؛ فإن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أخذ رأي المسلمين في المدينة ولم يقتصر على سؤال أهل الحل والعقد.
وفي عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه اكتفى ببيعة أكثر أهل المدينة وأهل الكوفة وأفرد هو بالبيعة.