فهرس الكتاب

الصفحة 21848 من 27364

كانت الأمة تهيمن عليها حقيقة واحدة وهي؛ أن علاج مشاكلها إنما يكون بالثبات على الإسلام وأن تصحيح أوضاعها المعوجة إنما يكون بالتزام منهجه وتطبيق معالجاته وتجسيد أنظمته، إذ كانت معايير تمييز رقي الأمة من انحطاطها دوماً مرتبطةً بمدى ارتباطها بدينها.

وبهذا الميزان كانت تسير الأمة حتى زمن إسقاط دولة الخلافة عام 1924 وإزاله نظام الحكم في الإسلام تماماً من واقع الوجود في العالم، حيث تحول المسلمون نهبة لغيرهم، ولقمة سائغة يلتهمها أعداؤهم، يحكمهم التخلف والتشرذم والضعف والجمود الذي رسم لهم بعناية فائقة.

وبات المسلمون يلهثون وراء كل ناعقٍ يصيح لهم بالتنوير والتطور والتقدم والسير على درب الغزاة المستعمرين ممن حارب الأمة واحتل ديارها وشرذمها وأذلها وسامها سوء العذاب، وصار المسلمون يتأرجحون بين اشتراكية شيوعية ملحدة تغنوا بها ردحاً من الزمان، وليبرالية ساقطة ساقتهم من خذلانٍ إلى خذلان، وبين هذه وتلك سقطوا في فخ القطرية الضيقة والوطنية المقيتة والقومية المنتنة، وعندما ثاب المسلمون إلى رشدهم وبدأوا يعون حاجتهم إلى الارتباط بدينهم والالتزام بشرع ربهم وإعادة دولة الإسلام دولة الخلافة الراشدة من جديد، بدأت مرحلة جديدة من إلغاء الدين، حيث اكتفى البعض بالمطالبة بتطبيق مقاصده العليا بعد تفريغه من محتواه وحشوه بما ينقض غزله عروة عروة من ديمقراطية تشترط خضوع الإنسان لثقافة غربية غريبة عن الإسلام، لا يمكن أخذها من غير أخذ مفاهيمها عن الحياة والمناخات التي تشكلت فيها والتي تؤمر الأمة اليوم بأخذها جملة أو سحقها جملة.

ونسي المطالبون بالارتماء في أحضان الغرب، المنادون بثقافته وديمقراطيته وقيمه، الداعون إلى مسايرته لتخليصهم مما ابتلاهم هو فيه، أن من لا يستطيع أن يحرر إرادته من براثن أزلام أعدائه، لهو أعجز من أن يتخلص من عدوه الحقيقي، ولهو أشد عجزاً من أن يأخذ ويطالب بالمزيد، لأنه عبدٌ مأمور وليس بسيدٍ مختارٍ.

إن الأزمة الفكرية الحقيقية التي تكمن عند تبيان علاقة الإسلام بالديمقراطية، هو ما رسخ من مفاهيم عن علاقة الديمقراطية بالكنيسة وإسقاطها على الإسلام متناسين طبيعة الظروف التي نشأت فيها الديمقراطية والمناخات التي تحكمها، وغافلين عن طبيعة الإسلام في نفس الوقت، حيث أن فصل الدين عن الحياة في أوروبا ساهم بشكلٍ مباشر في إحداث نقلة نوعية في تاريخها، لخلوّ النصرانية التي حكمت أوروبا من التشريع أصلاً، مما كان يعني أن استمرار تطبيقها هو لتأمين مصالح فئة ضيقة منتفعة منها، وهو ما فرض قيود التخلف والظلام على تلك الشعوب عدة قرون.

أما الإسلام؛ فإنه لا يمكن مقارنته بحال مع تلك النصرانية، حيث كان سبباً واضحاً لاستقرار الأمة ورقيها وتقدمها، وما سحقُ الأمة الإسلامية لجبروت فارس والروم وتحرير البلاد والعباد من ظلمهما، وهيمنتها على الوضع الدولي قروناً طويلة، ودخول شعوب بأكملها فيه، إلا بعض دلائل ذلك النجاح الباهر ودلائل واضحة على عظم أثر الإسلام في الشعوب التي اعتنقته وجاهدت في سبيل نشره.

ولذلك كانت عصور النهضة والرقي والإشراق في حياة الأمة هي زمن إحسان تطبيق الإسلام فيها.

وأن المشكلة الحقيقية التي جابهت الأمة وجعلتها تتلكأ، هي ما لحق دولة الخلافة من ثغرات إثر التهاون بالتطبيق الكامل لأحكام الشرع، كغمط الأمة حقها في انتخاب حكامها، وتحول الدولة إلى ملك وراثي، وقلة المحاسبة وما شاكل.

لذلك كان التقصير في تطبيق الإسلام، هو الذي أنتج تلك الإخفاقات.

وهذا على خلاف الكنيسة التي كان وجودها في السلطة سبب إنهاك البلاد وإهلاك العباد، حيث تحولت إلى وسيلة يستثمرها الحكام وأصحاب النفوس الدنيئة في السيطرة وجمع الثروات واستعباد الآخرين.

والحق يقال؛ أن رجال تلك الكنيسة الظلامية المشؤومة في أوروبا في عصور نعتت بأنها القرون الوسطى وعصور الظلمة، تشبه أحوال حكام العرب والمسلمين في أيامنا هذه، حيث أنهم على أتم استعداد للتضحية بالأمة ومصالحها في سبيل نزواتهم واستتباب أمور الحكم لهم، ولو كان ذلك فوق جثث الناس الذين يطالبونهم بأبسط حقوقهم المشروعة.

ولذلك فإن العودة إلى الإسلام تغني عن المناداة بالديمقراطية، تلك التي لم تشعر الأمة بعازة إليها ولا إلى غيرها من الثقافات طوال فترات تطبيقها دينها، بل كانت الأمم الأخرى عالة على المسلمين وعلى حضارتهم الرائعة، فأمة أعزها الله بالإسلام، أرقى من أن تتركه لاهثة وراء فضلات البشرية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت