وانطلاقاً مما سبق فقد نتج في الغرب الديمقراطي عموماً التفكك الأسري والانحلال الأخلاقي وسيطرت الحياة الفردية الأنانية على سكانه، الذين يجتمعون ويتفرقون على أساس فكرة المنفعة، مما يلغي آدمية الإنسان ويحوله إلى بهيمة، ترى الإشباع المادي هو كل شيء.
وبما أن إشباع الجوعات العضوية منها والغرائزية متناهيةٌ ومقصورةٌ على أعمالٍ طبيعية محددة، يندفع الكثيرون، خصوصاً المترفون منهم، إلى البحث عن أنماطٍ جديدةٍ غير مألوفةٍٍ للإشباع، وهو ما يعزز استباحة فكرة الشذوذ على أوسع مدىً ممكن.
كما يؤدي ركون الإنسان إلى القيمة المادية بسد آفاق الناحية الآدمية لديه، فيوصله إلى الاكتئاب ويحفزه على الانتحار.
ومن هنا كانت الديمقراطية تُعنَى بشكلٍ مباشرٍ ومتلازم بعزل الدين وأبحاثه ومتعلقاته وكل ما يتصور أن له قداسة ما عن التأثير بحياة الإنسان، لِيُترَك له هو وحده الخيار المطلق لتحديد معالم سيره في الحياة استناداً إلى حقائق نسبية وأخرى مطلقة نتاج قوانين طبيعية مزعومة، والتي تخلص إلى كف إرادة الخالق عن التدخل بشؤون الإنسان وتحريره من كل قيدٍ سوى ما يراه مناسباً لاستمرار تلك الحرية على أمثل وجه يراه في الحياة، مما لزم معه فرض العقد الاجتماعي ونموذج الدولة المدنية الحديثة لتأمين استمرارية إطلاق الفرد لحريته وضمان عدم المس بها - وهذا كله مقدوحٌ بصحته إذ يتحول معه الإنسان إلى مجرد عبدٍ أسيرٍ لقوانين أصحاب اللعبة من الأقوياء والمتنفذين وغالباً ما يعامل كالسلعة المجردة لا أكثر -
من هنا نرى أن ما أنتجه الغرب من فلاسفة وباحثين ومن أنظمة حكمٍ بمختلف أشكالها واختراعاتٍ تقنيةٍ بمختلف إبداعاتها بإيجابياتها وسلبياتها ليس من لوازم فكرة الديمقراطية، كما أنها ليست أصلاً من أصولها ولا حتى فصلاً من فصولها، بما فيها أبرز ما في أنظمة الحكم القائمة في الغرب في أيامنا هذه من فصل السلطات الثلاث، إذ هي مما ارتآه المفكرون مناسباً لضمان استقرار المجتمعات بعيداً عن استئثار شريحةٍ منه أو فئةٍ ما دون غيرها بالملك والسلطة وتحويلها إلى مزرعة خاصة بها مملوءة بالعبيد تمتلكها تلك الفئة ويتوارثها الأقوياء!
بل إن وجود السلطة أصلاً هو مخالفٌ لحرية الإنسان لما تفرضه من قيودٍ وأنظمة، وتلك السلطات لم تكن موجودة قط في ديمقراطية أثينا، حيث كان الناس هم الحكام والمحكومين وكانوا يقترعون بشكلٍ مباشرٍ في المدينة على كل شيءٍ.
والسلطة المجردة هي أمرٌ لا بد منه من باب الحاجة إليها لتنظيم شؤون الناس وليس لأنها واجبة، ولذلك لا يوجد عهدٌ أو عقدٌ ثابتٌ ملزمٌ حتميٌ لنظام الحكم، إنما يترك أمر اختياره وتطويره للناس أنفسهم.
وبالتالي فقد يطرأ تغيرٌ على تلك النظرة لموضوع السلطات خاصة في ظل التحولات الهائلة في ثقافة الإنسان ومعارفه وسرعة الاتصال والتواصل، وصراع الحضارات وتنافس الأقوياء أو توافقهم في زمن العولمة، مما يفرض دراسات تعالج كيفية إدارة شؤونه في ظل عدم جدوى استمرار السلطات القطرية والوطنية وصغر حجم الكوكب نسبياً، حيث ينبغي أن يخضع الجميع لقانون الأقوى الذي يصدر القرار ويلزم الجميع بالتنفيذ على الصعيد العالمي، بل ويتدخل في كل صغيرة وكبيرة من شؤون البشر، مما يلغي الشأن الداخلي للدول، ويفرض نظاماً ذات صبغة عالمية، تحكمه قوانين نسبية مستمدة من ثقافة القوى المتحكمة.
مما يعني أن فصل السلطات هو اقتضاء مرحلي يعالج أزمة حكم زمانية ومكانية معينة يمكن الانصراف عنها إلى ما يوائم الواقع أكثر حين تغيره من المنظور الديمقراطي وهو ما نشاهد حصول بعض منه على الصعيد العالمي الآن.
لذلك فإن الرخاء والاستقرار الاقتصادي والسياسي الذي يحياه الغرب يرجع في مجمله إلى عوامل أخرى لا أثر للديمقراطية فيها إلا بقدر ما تؤمن تلك العوامل، وعلى رأسها انسجام شعوب الغرب مع أنظمة الحكم فيها، ووفرة الثروات الناتجة عن استعباد الآخرين والهيمنة على مقدراتهم، إضافة إلى التقدم التقني الكبير والقوة العسكرية الضخمة والهيمنة السياسية والاستئثار بمقدارت 80% من ثروات شعوب الأرض لصالح البقية القليلة.
أما بالنسبة للأمة الإسلامية فقد عاشت ثلاثة عشر قرنا من الزمان تتنسم فيها معنى الوجود، حملت فيها رسالة الإسلام بسماحته الخالصة، لتخرج الناس من عبادة المادة إلى عبادة الله، وبنت فيها حضارة زاهرة في الأندلس وآسيا الوسطى وما بينهما من طنجا إلى جاكرتا مروراً بالقاهرة ودمشق وبغداد، واتسمت أحوالها بشكلٍ عام بالاستقرار والوحدة ورهبة الجانب والعزة والاعتزاز بما لديها، مع الاعتراف بوقوع كثيرٍ من العثرات والشكاوى والإساءات التي وقعت هنا وهناك بسبب التقصير في تطبيق الإسلام وبسبب طبيعة حياة البشر التي لا تخلو من كدرٍ وهمٍّ وتقصير وصراع، وهذه هي سنة الله في خلقه وهي ما يدفع بالعباد على الدوام إلى الإبداع والتغيير والتحسين، وهي ما يحفز الأمم عادة بالعمل على دوام الارتقاء.