فهرس الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الخطبة الأولى
( الم . غلبت الروم . في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون . في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ، ويومئذٍ يفرح المؤمنون . بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم )
إن أمتكم أيها المسلمون أمة منصورة ، أمة كتب الله لها البقاء ، أمة كتب الله لها الظهور على مر العصور ، إنها موعودة بوعد رباني ، و عهد نبوي ، يقول الله جل الله: ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) ويقول سبحانه ( والعاقبة للمتقين ) ويقو صلى الله عليه وسلم:"لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم"
ولما قام أسلافنا الأوائل بعوامل النصر ، و أوجدوها على أرض الواقع ، نصرهم الله في فترة وجيزة ، لقد كانوا يترجمون مثاليات الإسلام إلى واقع عملي ، فأصبحوا كأنهم قرآن يمشي على الأرض ، يروي الصحابة عن أنفسهم يقولون: لم يكن أحدنا يستكثر من القرآن ، إنما كنا نتعلم عشر آيات لانزيد عليهن حتى نعمل بما فيهن ، فتعلمنا القرآن والعمل جميعاً (1) .
فقد كانت كلمات القرآن وجمله بالنسبة لهم المنهج اليومي الذي يتلقاه المسلمون ليعملوا به فورا ، لا يتخلف منهم أحد ولا يتباطأ إنسان ، بل يتسابقون إلى ذلك ويتلقونه كما يتلقى الجندي في ثكنته ، أو في ميدانه ،أمر القائد فيعيه ويفهمه ويقوم مباشرة إلى التنفيذ .
ولذا برز جيل الصحابة رضي الله عنهم عندما أدركوا هذه القضية ، قضية الاهتمام بالعمل والمبادرة إليه وإن كان قليلا ، ورسخت في قلوبهم ، ولذلك حملوا على كواهلهم أعباء هذا الدين ودعوة الناس إليه ، واستعذبوا في سبيله أسمى آيات الصبر والتضحية ، وواصلوا ليلهم بنهارهم ، حتى حققوا لهذا الدين انتشاره ، ولهذا الدين انتصاره ، فما بين عشية وضحاها ، قامت للمسلمين دولة ، وتأسست لهم قيادة ، وأخضعوا لحكمهم المملكتين العظيمتين فارس والروم ، وامتد ظِلهم إلى بلاد السند شرقا ، وبلاد الروس شمالا ، ودخلت في عهدهم بلاد الشام ومصر وأفريقيا ، وذلك كله في خمس وثلاثين سنة ، وفي عهد بني أمية استبحر ملكهم ، وامتد سلطانهم ، وقد استطاع خليفة من خلفاء المسلمين أن يصور للعالم بسطة العالم الإسلامي ، فلم يجد غير أن يخاطب السحابة التي تمر به ولا تمطره ، فيقول هارون الرشيد:"أمطري حيث شئت فإن خراجك سيُحمل إلينا"
أيها الأفاضل:
إذن فيوم قام المسلمون بنصرة دينهم ، وجاهدوا أعداءهم بالحجة والبيان ، والسيف والسنان ، عزوا وسادوا ، و أذل الله تعالى لهم أعداءهم ،وكبت عدوهم ، وصارت العاقبة لهم ، وفتحت لهم الدنيا ، فحازوا كنوز كسرى وقيصر .
لابد أن ندرك أيها الأكارم أن هذه الأمة تمتلك مقومات السيادة والريادة ،فأي دين أعظم من دينها ، وأي شريعة أكمل من شريعتها ، وأي منهاج أكمل من منهاجها ، وأي نبي أكرم من نبيها ؟! وأي كتاب أعظم من كتابها ؟! وأي لغة أسمى من لغتها ؟!!
وإذا أتينا إلى العوامل الأرضية ..فإذ أرضها أفضل الأراضي ، وإذا بثرواتها أكثر الثروات ، وإذا بأعدادها تفوق المليار !! فلماذا إذن أمة المليار ذليلة مهينة ؟!! لماذا أمة المليار أصبحت أقل الأمم شأنا ، وأحقرها مكانا ، لماذا أصبحنا في مؤخرة الركب ، وفي ذيل القافلة ؟!!
أيها المسلمون:
ألا إن من أسباب ذلك والذي ستكون وقفتنا معه هذا اليوم ؛ أننا أصبحنا أمة صاحبة مفرقعات كلامية ، وظاهرة صوتية ، يطلقها الواحد منا في المجالس والمنتديات ، ثم يعود إلى حياته اليومية ، وكأن شيئا لم يكن !! لقد تخلى بعضنا عن العمل وأصبح همه القول والكسل .فماذا يجدي الكلام بلا عمل مدروس ؟! هل يعيد الكلام حقا ضائعا ، وحمى مستباحا ؟!! وهل يرد غازيا ؟! لقد كان الإمام مالك بن أنس رحمه الله يعيب كثرة الكلام ويقول:"لا يوجد إلا في النساء أو الضعفاء"وصدق القائل:
دقّ العدوّ من الحروب طبولا … لكنْ قذفناه صدىً وعويلا
ماذا عسانا لو أثرنا ضجةً … أتعيد موتى أو تردُّ قتيلا
لم تُرجع الأقوالُ حقاً ضائعا … أو أسرجتْ يوم الجهاد خيولا
ما أكثرَ الندّابَ عند مصابنا … صاروا إذا اشتد البلاءُ فلولا
إنا اكتفينا من صراخٍ لم يكنْ … عند النوائب باترا مسلولا
الفعل والتخطيط أصدقُ همةً … وأجلُّ مقدارا وأحسنُ قيلا
أيها المسلمون:
لقد امتلأت الساحة بالكلام ، لكن أين الذين يعملون ؟ أين الذين يتحركون بصمت ؟أين الذين ينظمون و يخططون ويفكرون ؟ أين الذين يعملون بهدوء وروية ؟ أين الذين يسهرون في الأسحار لمعالجة أوضاع الأمة الكبار ؟ إننا لا ننكر وجود طائفة لكن كم نسبتهم ؟
إلى متى يظل هم الواحد منا الكلام في المجالس والمنتديات ولكن إذا جاء المحك ، وطلب منه العمل إذا به يتراجع ويتخاذل ، ويتعذر بأعذار واهية ، وحجج تافهة ؟
إننا نرى أُناسا فضلاء ؛ يتبرمون في مجالسهم من عورات المجتمع ونقائصه ، ولكن هل ترجموا تلك الأحاديث إلى برامج عملية لإصلاح الأوضاع ، والتغير بالجهد المستطاع ؟!!