جسارة الانتقاء وأكذوبة التقليد
عرض الكاتب وفقه الله في الحلقة السابقة لأهمية الفتيا، واستعرض أحوالها وأحوال المفتين في عصر الصحابة رضي الله عنهم، ثم الفتيا في عصر التابعين ومن بعدهم وما كان عليه السلف من الورع والتقوى وتدافع الافتاء. ثم ذكر حال الفتيا في العصور المتأخرة وما حصل من الاستهانة بهذا المنصب الخطير، وضرب الأمثلة على ذلك من واقع بعض المفتين الذين خالفوا النصوص الشرعية بدعوى عدم توافقها مع عقولهم أو بدعوى عدم مناسبتها للعصر. ويستكمل الكاتب في هذه الحلقة جوانب أخرى مهمة في الموضوع.
(2-3) الجندي المسلم
نظرة في طرائق العلم:
من المتقرر عند أهل العلم تنظيراً وتسييراً أن من أراد الوصول إلى معرفة الحكم الشرعي في مسألة ما فإنه يصوِّب نظره تجاه الأدلة الشرعية؛ يتأمل فيها، ويستنبط منها، ويرجع إليها، ويصدر عنها، ولابد حينها أن يكون ضابطاً لأصول الاستنباط، ومتقناً لقواعد الاستنتاج، ومدركاً لرسوم الاستخراج، التي قررها أهل العلم وأصلوها وجعلوها أسساً لبيان الصحيح من المجروح، ومعرفة الراجح من المرجوح.
ثم أيضاً ينبغي عليه أثناء سيره في طريق الاستنباط وطلب الحق أن ينظر في كلام العلماء الأعلام من محدثين ومفسرين وفقهاء وغيرهم، ويستعين به لفتح مغاليق الفهم، ومضايق النظر، وعويصات المسائل، ويستلهم منه تقريب المعاني، وحل المعضلات، وبيان المشكلات، ثم تكون نهاية المطاف عند الخلاصة الخالصة لطالب الحق وهو الظفر فيما يغلب على ظنه بالحكم الشرعي الصحيح.
فاستنباط الحكم الشرعي من الدليل الشرعي بالطريقة الشرعية هو الجادة الأثرية، والطريقة السوية، التي تناقلها الآخرون عن الأولين، وسطروها في المصنفات، وتداولوها في محافل العلم والحلقات، وهي التي كانوا يربون عليها اليافع في العلم منذ نعومة أظفاره، ويلقنها المبتدئ في الطلب عند أول خطوة يضعها في مشواره؛ إذ لا ينال العلم من لايسلك سبيل العلماء.
وبنظرة فاحصة لما سبق يتبين لك تناسق هذه المنظومة تناسقاً تراكبياً يشد بعضه بعضاً ، ويظهر لك جلياً أصالة صرح التفقه وعراقته، وأنه ليس وليد عبث أو حدس، بل هو جادة لمن كان جاداً، وأنه يرتكز على ثلاثة محاور رئيسة: أصل، وآلة، ووسيلة.
فأما الأصل فهو الأدلة الشرعية التي عليها أمر الديانة، وأما الآلة فهي أصول الاستنباط وقواعده، وأما الوسيلة فهي كلام الأئمة الأثبات، وأهل العلم الثقات، فكل من طرق باب التفقه بهذه الطريقة فهو من أهل الطريقة، والعالم حقيقة.
تغير المنهج السوي بعد القرون المفضلة:
هذا ما كان سائداً في القرون الأولى المفضلة وما بعدها بيسير، ثم في منتصف القرن الرابع وأوائل الخامس فما بعده حصل تغير في طرائق العلم أدى إلى تغايرها،وخرج بها عن الجادة الأثرية، وذلك حين صار كلام الأئمة بل أربعة منهم فقط هو الأصل الذي يدور عليه التفقه، وتقوم حوله الدراسات والمؤلفات، وتعقد لأجله المدارس والحلقات: تدريساً واستذكاراً، قراءة واستظهاراً، تزييفاً وانتصاراً، شرحاً واختصاراً، نظماً ونثاراً.
واعتني بكلام الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد عناية فائقة، بل نزل كلامهم منزلة النصوص، وأخذ الأتباع يطبقون عليه ما يطبقونه على نصوص الوحي!
وليس هذا من المبالغة في شيء؛ لأن الواقع المر يحكي لنا ماهو أشد من ذلك؛ إذ قد وجد من الأتباع من لا يقبل عن إمام مذهبه قولاً حتى ينقل بالسند الصحيح كالشمس وضوحاً، بينما هو يروي عن النبي ما ينقل بالسند الضعيف والواهي!! فالمذهب لايكون مذهباً حتى يثبت عن الإمام، والأحاديث يحتجون بها ولو لم تثبت عن سيد الأنام .
حتى آل الأمر إلى إحداث تركيبة مخترعة في طرائق الاستنباط ومسالك التعلم لاتمتُّ إلى طريقة الأوائل بصلة؛ إذ بدل الأصل والآلة والوسيلة.
فبعد أن كان الأصل هو النظر في الأدلة الشرعية احتجاجاً وحجاجاً، أصبح الأصل هو النظر في كلام الأئمة الأربعة المتبوعين.
وبعد أن كانت الآلة هي أصول الفقه صارت آلة المتأخرين هي أصول المذهب.
وبعد أن كانت الوسيلة هي كلام الأئمة عامة أضحت الوسيلة قاصرة على كلام الأصحاب.
وهذه البدائل الثلاث أخذت مكانها من الحركة العلمية في الأزمنة اللاحقة، وتبلورت عن حدث غريب جديد يعرف ب"التمذهب"، الذي بلغ حمأته حين آل الأمر فيما بعد إلى"التعصب المذهبي"، وصارت نتائجه ماهو مسطر في كتب التاريخ، ومعروف في فروع الفقهاء!
وقبع المصنفون في تصانيفهم ينصرون هذا المذهب أو ذاك، ووظيفة العالم صارت لاتعدو أن تكون مجرد نقل لكلام الأئمة من الكتب المعتمدة حتى قال ابن الصلاح الشهرزوري (ت643ه) :
منذ دهر طويل طوي بساط المفتي المستقل المطلق، والمجتهد المستقل، وأفضى أمر الفتوى إلى الفقهاء المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة.. إلى أن قال: فقد ذكر بعض الأصوليين منا أي من الشافعية أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد مستقل أ.ه (1) .