وأعلن ابن نجيم الحنفي (ت970ه) أن باب القياس مسدود منذ زمن، وأن ما يكون من فتوى المجتهدين ليس بفتوى، وإنما هو نقل كلام المفتي ليأخذ به المستفتي! (2) .
وجاء من أوجب على الناس اتباع المذاهب الأربعة فقط، وحرم عليهم أن يأخذوا بمذهب أحد غيرهم، بل حكي الاجماع على هذه المقالة! ودوَّنوها في كتب الأصول، كما قال الشيخ عبدالله بن الحاج إبراهيم الشنقيطي (ت1233ه) في منظومته الأصولية (مراقي السعود) :
والمجمع اليوم عليه الأربعه
أما عداها فالجميع متعه
حتى يجيء الفاطم المجدد
دين الهدى لأنه مجتهدُ!
أي أنه لا يوجد مجتهد مطلق كحال الأئمة الأربعة حتى يخرج الفاطمي وهو المهدي المنتظر آخر الزمان!!
وأبعد النجعة الشيخ إبراهيم اللقاني المالكي (ت1041ه) حين أدرج هذه المقالة ضمن منظومته العقائدية وجعلها من أمور الاعتقاد، حيث قال في (جوهرة التوحيد) :
ومالك وسائر الأئمة
كذا أبو القاسم هداة الأمة
فواجب تقليد حبر منهم
كذا حكى القوم بلفظ يفهم
فهو يقرر وجوب تقليد الأئمة الأربعة في المسائل الفقهية، ووجوب تقليد أبي القاسم الجنيد في الطريقة الصوفية!
قال البيجوري (ت1277ه) شارحاً كلام صاحب الجوهرة:
(فواجب تقليد حبر منهم) فلا يجوز تقليد غيرهم، ولو كان من أكابر الصحابة؛ لأن مذاهبهم لم تدون ولم تضبط.أ.ه (3) .
وجاءت قاصمة الظهر، والفاجعة التي مازال المصلحون يحوقلون منها حين قال الصاوي (ت1241ه) :
إن من خرج عن المذاهب الأربعة فهو ضال مضل، ولو وافق الصحابة والحديث الصحيح والآية، وربما أداه ذلك إلى الكفر؛ لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر!!! (4) .
فانظر أخي الموفق كيف ضيقوا واسعاً، وأحدثوا ياسقاً، والأمر كما قال الإمام العلامة أبو شامة المقدسي رحمه الله (ت665ه) :
وحجروا على رب العالمين مثل اليهود أن لا يبعث بعد أئمتهم ولياً مجتهداً، حتى آل بهم إلى أن أحدهم إذا ورد عليه شيء من الكتاب أو السنة الثابتة على خلافه يجتهد في دفعه بكل سبيل من التأويلات البعيدة، نصرة لمذهبه ولقوله...ثم تفاقم الأمر حتى صار الكثير منهم لايرون الاشتغال بعلوم القرآن والحديث، ويرون أن ماهم عليه هو الذي ينبغي المواظبة عليه، فبدلوا بالطيب خبيثاً، وبالحق باطلاً، واشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين.
ثم نبغ قوم آخرون صارت عقيدتهم في الاشتغال بعلوم الأصلين، يرون أن الأولى منه الاقتصار على نكت خلافيه وضعوها، وأشكال منطقية ألفوها... بل أفنوا زمانهم وعمرهم بالنظر في أقوال من سبقهم من المتأخرين، وتركوا النظر في نصوص نبيهم المعصوم من الخطأ، وآثار أصحابه الذين شهدوا الوحي، وعاينوا المصطفى ، وفهموا مراد النبي فيما خاطبهم بقرائن الأحوال؛ إذ ليس الخبر كالمعاينة، فلا جرم لو حرم هؤلاء رتبة الاجتهاد وبقوا مقلدين (5) .
رمي الشريعة بالجمود بسبب سد باب الاجتهاد:
وفي ذيل الأزمنة المتأخرة كان لهذا التضييق والتحجير والتسلط آثاره السلبية على مجموع الأمة؛ حيث اتخذه أهل الزيغ والفساد، وأرباب الضلالة والإفساد ممن تولوا أزمة الأمور ومقاليد الحكم في ديار المسلمين: ذريعة إلى الطعن في الشريعة، ورميها بالجمود والتخلف، وقصورها عن مواكبة المستجدات؛ لأن المدنية الحديثة أفرزت لنا قضايا معقدة تحتاج إلى حلول مناسبة، وهذه الحلول قطعاً غير موجودة في كتب الفقهاء غالباً؛ لأنه من النادر والنادر جداً أن ينص الفقهاء على حكم معين لواقعة لم يروها ولم يعاصروا أحداثها، مهما كان خيالهم خصباً أو احتمالاتهم وافتراضاتهم بعيدة وواسعة، فمصنفات العلماء إنما ألفوها بما يناسب زمانهم، وهذا أمر لا يشك فيه أحد.
وأنا لا أقول ذلك استهانة بما خلفه لنا علماؤنا وأئمتنا أبداً والله بل فيه الخير والخير كله؛ لكن الذي ينبغي أن يعلم لكل طالب حق أن القضية الفقهية يتجاذبها أصلان لاثالث لهما:
الأصل الأول: معرفة حكم المسألة.
الأصل الثاني: تنزيل الحكم على الواقعة.
فأما الأصل الأول فقد وفاه العلماء حقه، وأتوا في مصنفاتهم بما لا مزيد عليه، ولم يتركوا شاذة ولا فاذة في كافة شؤون الحياة إلا بينوا الحكم فيها وتكلموا عنها، جزاهم الله خيراً.
وأما الأصل الثاني فهو الذي يحتاج إلى مجتهد بصير بالدين لينظر: هل الشروط اجتمعت، والموانع ارتفعت فينزل الحكم على الوقعة أولاً؟ ولأجل هذا الأصل كان السلف يتدافعون الفتيا، وهو المعروف عند الأصوليين"بتحقيق المناط".
فكلامنا هنا على هذا الأصل الثاني إذ أين المجتهد الذي يسد حاجة الأمة في هذا الباب وهم يوجبون التقليد ويحرمون الاجتهاد! وكيف يمكن لنفس أن تتوق لبلوغ رتبة الاجتهاد أو تتشوف لدرك تلك المعالي حيال هذا الزخم الهائل من التشديد والتضييق؟!!