المهم أنه بسبب ذلك حصل اصطدام رهيب بين"المدنية الحديثة"والحلول الشرعية المناسبة، أدى إلى حدوث فجوة عميقة بين قضايا العصر وأحكام الشرع، تسلل من خلال هذه الفجوة أهل الزيغ والضلال إلى القدح في الشريعة الإسلامية، وأخذوا يناقشون مدى صلاحيتها وحيويتها، واستيعابها للمستجدات الحضارية، ثم عزموا في رِدَّة جريئة على اقصاء الشريعة، واستعاروا في سُعار محموم النتاج الغربي المشؤوم برمته، وقدموه مشروعاً حضارياً للأمة المحمدية، ولا حول ولاقوة إلا بالله.
خدمة مشائخ التنوير للمشروع التغريبي:
وفي رَدَّة فعل متوقعة انبرى مشائخ التنوير ودعاة العصرنة لرفع راية التجديد زعموا ، وتولوا كبر تمييع الدين لترقيع حال المسلمين، ودعوا إلى فتح باب الاجتهاد الذي أغلقه من سبقهم، لكن هذه المرة لم يفتحوه كما كان بضوابطه المعروفة عن السلف؛ بل فتحوه فتحاً عظيماً لو أراد أهل الأرض أن يلجوا منه لوسعهم!!
ثم زادوا الطين بلة فأحدثوا أمرين خطيرين للغاية، أديا إلى ازهاق ما بقي من الروح في جسد"الجادة الأثرية"، وهما:
1 التأثر بالتمدن والحضارة والعمران، وليس المراد أي حضارة أو أي تمدن وعمران؛ بل المراد النمط الغربي خاصة لما يتمتع به من الهيمنة العالمية.
2 الانتقاء من المذاهب الفقهية ما يناسب الذوق، ويلائم العصر، ويكون الاختيار من الأقوال متمشياً مع المعطيات الحضارية، ولو كان في ذلك استدباراً للأدلة الشرعية بل لو استلزم الأمر اقصاء المذاهب الأربعة كلها لعدم وجود القول المرتضى فيها لم يكن ثم مانع من ذلك؛ وهذا ما حصل بالفعل حين تم الاعتراف بالمذهب الجعفري، والمذهب الزيدي، والمذهب الإباضي، وادرجت هذه المذاهب ضمن ثروات الأمة الفقهية زوراً وبهتاناً وصارت تجتر في البحوث المعاصرة تحت الكلمة النكراء"الفقه المقارن"تلبيساً وطغياناً فإلى الله المشتكى.
فانظر أخي الكريم إلى الهوة السحيقة التي حدثت في طرائق العلم بين الأسلاف والأخلاف، وإلى التنافر الشديد بينهما في مناهج التعلم والطلب، الأمر الذي كان له أثر كبير في بروز نتاج من التناقضات بل والناقضات لما مضى، وإفراز أقوال غريبة بل شاذة بل ساقطة!
ولن أقف عند كل الملاحظات التي تدور حول تلك المناهج المنحرفة، فإن هذا باب واسع يصعب تتبعه، لكنني سأقف عند نقطة واحدة مهمة أرى أنها انقلاب في موازين الطلب، ونسف للمنهجية المقررة عند السلف الصالح في تحصيل العلم ومعرفة الصواب من الأقوال، هذه النقطة هي قولهم: للمرء أن يأخذ بأي قول يناسبه من أقوال العلماء، وأن ينتقي منها"أطايبها"!
تلك هي"جسارة الانتقاء"، ولها أخت في الرضاعة والوضاعة، ورديفتها في سوء البضاعة، ألا وهي أكذوبة التقليد": (من قلد عالماً، لقي الله سالماً) ."
أدلتهم على هذا المنهج الفاسد:
استدل القوم في هذا المقام بما ظنوا أنه يسوِّع لهم سلوكهم هذه المنهجية المنحرفة، واستندوا إلى شيء من الأحاديث النبوية، وأقوال السلف، والتعليل العقلي.
فأما الأحاديث النبوية فقد استدلوا بحديثين مشهورين على الألسنة وهما:
1 حديث: (اختلاف أمتي رحمة) (6) .
2 حديث: (أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم) (7) .
وأما أقوال السلف فمنها ما يلي:
1 عن عون بن عبدالله بن عتبة قال: قال لي عمر بن عبدالعزيز:"ما يسرني باختلاف أصحاب محمد حمر النعم؛ لأنا إن أخذنا بقول هؤلاء أصبنا، وإن أخذنا بقول هؤلاء أصبنا" (8) .
2 وعن عمير قال: قلت لعمر ابن عبدالعزيز رحمه الله: لو جمعت الناس على شيء؟ فقال: ما يسرني أنهم لم يختلفوا، قال حميد: ثم كتب إلى الآفاق وإلى الأمصار: ليقضي كل قوم بما اجتمع عليه فقهاؤهم (9) .
3 وقال سفيان الثوري رحمه الله: إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه، وأنت ترى غيره فلا تنهه (10) .
4 وقال أيضاً: إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد (11) .
5 وقال إياس بن معاوية رحمه الله: إنه لتأتيني القضية أعرف لها وجهين، فأيهما أخذت به عرفت أني قد قضيت بالحق (12) .
6 عن شريح القاضي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إليه: إذا أتاك أمر فاقض فيه بما في كتاب الله، فإن أتاك ماليس في كتاب الله فاقض بما سن فيه رسول الله ، فإن أتاك ماليس في كتاب الله ولم يسن فيه رسول الله فاقض بما اجتمع عليه الناس، وإن أتاك ماليس في كتاب الله ولم يسنه رسول الله ولم يتكلم فيه أحد فأي الأمرين شئت فخذ به (13) .
7 وقال القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رحمه الله: لقد نفع الله تعالى باختلاف أصحاب محمد في أعمالهم، لايعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة، ورأى أن خيراً منه قد عمله (14) .