وأما التعليل العقلي فحاصله: أن ألفاظ النصوص محتملة لعدة معان، والشريعة واسعة، ومبناها على اليسر والسماحة، وقد أذن الشارع بالاجتهاد، وما من مسألة إلا والعلماء فيها طرفان: ما بين مشدد ومخفف، وهم منزهون عن الرأي المذموم في دين الله تعالى، وما دام الأمر كذلك فالكل دين الله وشرعه؛ لأنهم من إذن الشارع انطلقوا، وفي النصوص نظروا، فصارت مذاهبهم على اختلافها كشرائع متعددة، وصارت هذه الشريعة المحمدية كأنها عدة شرائع بعث النبي بجميعها!
فلا تثريب على أحد حينئذٍ أن يأخذ بأي قول؛ لأن جميع الأئمة على هدى من ربهم، واختلافهم رحمة الله واسعة للخلق.
زد على ذلك أن توسعة المذاهب ورخصها أقرب سهولة إلى إسلام من يريد اعتناق الإسلام، وذلك بإرشاده إلى رخص العلماء ترغيباً له في الدخول في الإسلام، وابتعاداً به عن ثقل التكاليف مباشرة خشية نفوره (15) .
ثم إن هذه الانتقائية من المذاهب قد عمل بها جماعة من الأئمة الأعلام، فقد نقل الشعراني عن جماعة من العلماء ك: أبي محمد الجويني، وعز الدين ابن جماعة الكناني، وعبدالعزيز الديريني، وشهاب الدين بن الأقيطع، وغيرهم أنهم كانوا يفتون الناس على المذاهب الأربعة بما يناسب حال المستفتي، لاسيما إذا كان من العوام الذين لم يلتزموا مذهباً معيناً لعدم معرفتهم بنصوصه وقواعده! (16) .
والخلاصة"أن مبدأ الأخذ بالرخص أمر محبوب، ودين الله يسر، وما جعل عليكم في الدين من حرج، والمفروض أن المقلد لم يقصد تتبع الرخص في كل الوقائع وإنما في بعض المسائل، وكثيراً ما قال العلماء: من قلد عالماً فقد برئ مع الله، واختلاف العلماء رحمة، وربما قال بعضهم: حجرت واسعاً" (17) .
وقبل الجواب عن هذه الآثار والأقوال لابد لنا من الوقوف عند أصول مهمة تضبط هذا الباب، وتقيم اعوجاج الفهم فيه، ثم نعود للجواب عما أوردوه من الشبهات، وذلك في مقالة قادمة إن شاء الله تعالى، والله الموفق.
الهوامش:
1 (أدب المفتي والمستفتي) لابن الصلاح29،31.
2 انظر (الرسائل الزينية) لابن نجيم 108،168.
3 شرح جوهرة التوحيد، للبيجوري 150، وذكر العلامة ابن بدران الدومي أن الشيخ اللقاني هو أول من أدخل هذه المسألة في علم الاعتقاد (العقود الياقوتية) 99، ثم جاء من بعد اللقاني العلامة السفاريني الحنبلي (ت1188ه) وأدرجها في منظومته العقدية أيضاً (لوامع الأنوار البهية) 2-457.
4 (حاشية الصاوي على الجلالين) 3-10، وانظر للرد عليه (أضواء البيان) للشنقيطي 7-438.
5 (المؤمل للرد إلى الأمر الأول) لأبي شامة، نقلته من كتاب الشيخ محمد سعيد الباني (عمدة التحقيق) 162 163.
والغريب أن ابن المنير (ت683ه) يقول: إن الدليل يقتضي التزام مذهب معين بعد الأربعة لا قبلهم!! وقد تعقبه في كلامه هذا الشوكاني بكلام جميل يحسن مراجعته (السيل الجرار) 1-22.
ويالله العجب، كيف سلك هذا الزقاق الضيق بعض الأئمة الأعلام كالحافظ ابن رجب الحنبلي، وألف كتاباً سماه (الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة) ، وهو هو في سعة علمه، وجودة حفظه، وقوة عارضته، وتمام معرفته، وكمال آلته، فإذا لم يكن ابن رجب وأمثاله من المجتهدين فمن إذن؟!
6 هذا الحديث بهذا اللفظ لا أصل له في كتب السنة، قال تقي الدين السبكي، هذا الحديث ليس معروفاً عند المحدثين، ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع، ولا أظن أن له أصلاً. (قضاء الأرب في أسئلة حلب) 264. وأقره على ذلك: الكازروفي في حاشيته على تفسير البيضاوي 2-35 36، والشيخ زكريا الأنصاري في حاشيته على تفسير البيضاوي أيضاً 1-100، وكذلك ابنه تاج الدين السبكي في (الإبهاج) 3-18، وقال الألباني: لا أصل له. (الضعيفة) رقم 57.
والذي ورد مرفوعاً إنما هو من حديث ابن عباس بلفظ: (اختلاف أصحابي لأمتي رحمة) .
أخرجه: البيهقي في (المدخل) رقم 152، والخطيب في (الكفاية) 48، والديلمي في (مسند الفردوس) 4-447، وعزاه زين الدين العراقي إلى: آدم بن أبي إياس في كتاب (العلم والحلم) انظر (تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج البيضاوي) رقم 60.
واسناده ضعيف جداً، فيه: سليمان بن أبي كريمة، وجويبر بن سعيد الأزدي.
ثم إنه منقطع لأن: الضحاك بن مزاحم لم يدرك ابن عباس رضي الله عنهما.
وأما مانقله السخاوي عن شيخه الحافظ ابن حجر من قوله: زعم كثير من الأئمة أنه لا أصل له، لكن ذكره الخطابي في غريب الحديث مستطرداً، فأشعر أن له أصلاً عنده. (المقاصد) 50 رقم 39 وقد نقله عنه كل من جاء بعد فهو كلام غريب جداً؛ لأن التعويل في هذا الفن على الاسناد لا على مجرد إيراد الحديث في كتاب، وإلا فإن الكتب وخاصة عند المتأخرين مشحونة بمثل هذه الأحاديث التي لا خطام لها ولازمام، فهل يقال في مثلها إن فلاناً من العلماء ذكرها في كتابه فأشعر أن لها أصلاً عنده؟! هذا ظاهر الفساد؛ لأنه يفتح باب المخرقة.
وأغرب منه قول السيوطي: ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا (فيض القدير) 1-210 قال الألباني تعقيباً عليه: وهذا بعيد عندي، إذ يلزم منه أنه ضاع على الأمة بعض أحاديثه ، وهذا مما لايليق بمسلم اعتقاده (الضعيفة) 1-141.