فهرس الكتاب

الصفحة 24385 من 27364

معظم شعوب العالم لم تلق بالا او لم تصغ كما ينبغي لتلك المرافعة المثيرة وذلك الدفاع المؤثر الذي ملأ الدنيا بضجيجه ومارسه كل العرب دفاعا عن انفسهم، وقيمهم طيلة الايام التي اعقبت حوادث نيويورك وواشنطن، ومع ما صاحبها من مس في الكرامة ونيل من الكبرياء العربية، الا ان العالم ما زال غير مقتنع ببراءتنا وبراءة قيمنا من الارهاب والتخريب الذي شهده العالم بالامس، حيث اتضح ان هذه المرافعة التاريخية وهذه الاعترافات المذلة لم ترفع عنا حيفاً ولم تحقق لنا هدفاً، وقد فشلت فشلا ذريعا في تأدية مهمتها وتحقيق غرضها بالرغم من ثمنها الباهظ وصوتها المحرج والمرتفع، وكانت الصدمة اكبر واعمق حينما اكتشفنا فداحة الاذى وشمولية التدمير، وعموم التشويه، الذي لحق بالاسلام ونال من الشخصية العربية، اذ جاء على كل عطائها التاريخي وابداعها الانساني، وقيمها العظيمة، بل وجودها وكيانها كله بشكل بالغ القتامة وشديد التعقيد.

انه موقف جدا مخز وتموضع في المكان ضاق بنا كأمة تعتز بماضيها الى درجة التبجيل، اذ لا يذكر التاريخ ان احدا وضعنا في هذا الموقف الضعيف والمهزوز كي ندافع مكرهين عن مشروعية وجودنا وصلاح قيمنا وتسامح ثقافتنا.

* الاشمئزاز من اللغة الجامدة

* ألم نكن المبادرين الاوائل في غزو فضاء الآخر والدخول معه مبكرا في حوار تناول المقدس والممنوع، بل المنظومات المعرفية برمتها دون خوف او وجل، وبشكل لا يجرؤ عليه اليوم اكثرنا تحررا وليبرالية، وبوثوقية علمية لا يصدقها ولا يقوى عليها متزمتو هذا العصر اصحاب العمائم والخطب الجهادية الفارغة، هذه الثقة بالنفس وهذه العقلانية الفريدة التي ادركت اهمية الحوار واربكت الآخر قرونا طويلة قبل ان يواصل نهوضه وتقدمه الذي نشهده ونعيشه اليوم، اين هي اذاً هذه العقلية؟ وما سبب هذا الفشل الذريع في الوصول الى العالم وهذا الانهيار الكامل للسمعة؟ اين مكمن الخلل؟ هل اللغة التي خاطبنا العالم بها لغة اموات ولا يفهمها أحد غيرنا؟ ان الذي يحاول ان يقرأ ما حدث ويحدث لا يجد الا شيئا واحدا وهو ان العالم يتوحد ضدنا ويزداد كرها واشمئزازا كلما واصلنا مخاطبته بهذه اللغة الجامدة، وهذه المقاربات الرسمية المتخلفة، لذا علينا ان نتوقف ونكف عن قراءتها وتفسيرها ومقاربتها بتلك اللغة الميتة وهو ما نفعله اليوم تماما، اذ ان هناك انماطا من التغيرات في العلاقات مع الغير والذات والاشياء لم نكتشفها بعد، فهناك اشكال جديدة من التفكير والعمل والانظمة المغايرة من التواصل والتبادل بين الامم، انا مدرك انه لا يوجد اخطر ولا اكبر من الصراعات بين الثقافات والهويات، ولكن ما نمارسه من حوار فكري بيني ومع الآخر عمق هذا الصراع وأججه وليس اقله ذلك الادعاء الفج الذي نردده بازعاج مستمر وبلاهة متناهية وهو انهم ونهضتهم مدينون لحضارتنا من قبل، والتأكيد دائما على الأنا والآخر وهو فرز حاد وكريه للعالم وتحد صارخ لروح التسامح والتنوع الذي يسوده اليوم، اننا من الفطنة بمكان والفقر والتخلف ان لا نحرص على هذا التصنيف ولا نقره في حوارنا معهم، فنحن المتضررون من هذا الفرز الفارغ وهذا الهروب المستمر من الواقع، ولكي يفهمنا العالم ويتعاطف معنا ومع قضايانا يجب ان نتخلص من هذا الخطاب السطحي ذي النبرة الوجدانية، الذي طغى اخيرا على خطاب الجامعة العربية بعد غياب طويل، ولكن تجاوزه والقطع معه لا يتم بقرار رسمي يصدره امين جامعة الدول العربية، وباعتماد مفهوم غارق في الالتباس والغموض، وهو حوار الحضارات ودعوة تلك النماذج السائدة من النخب المثقفة، وبشكلها العتيق لتديره وتتولى اعادة تدوير ما قالته طيلة ايام الازمة بشكل ممل ومحزن.

كان يجب ان لا يسيطر السياسي التقليدي على هذا المؤتمر، لاختلاف المجال وعمق الطرح وغياب المصالح الآنية التي يحرص السياسي عليها عادة لزوم البهرج الاعلامي المباشر، ولان تلك الوجوه التي استعين بها ايضا استنفدت افكارها ورؤاها ولم يعد عندها ما تقوله سوى ترديد تلك الفرضية التي اجترحها عقل مفكر غربي فارغ يلعب ويتسلى حيث باركناها واعتمدناها بشكل رسمي دون تفكير او تأنٍ، ناسين او متناسين اننا مجرد شعوب وقبائل تحاول النهوض والتقدم وتشكل مع هذا العالم حضارة انسانية ناشئة ومتشابكة الكترونيا وتقنيا متحررة من كل العوائق الجغرافية واللغوية والثقافية، وتوهمنا فعلا بأن هناك حضارة اخرى منافسة للحضارة الغربية صاحبة السطوة والقوة الضاربة في هذا الكون الممتد، حيث نسينا انفسنا وانطلقنا منهمكين نشرح ونبين نقاط الالتقاء ونقاط الخلاف والاختلاف مع هذه الحضارة المتفوقة ورحنا نرسل اشارات توحي للغرب بأن العالم يتسع لأكثر من حضارة، ولذلك لا مبرر لخوفهم من منافستنا لهم على العالم.

* العدو الأخضر المفترض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت